في أرشيف "غالي شكري".. الحكيم يحذر من الرجعية والفتن الطائفية

الأحد 09/يونيو/2019 - 11:40 ص
طباعة هند الضوي
 
• اسم الكتاب – من الأرشيف السري للثقافة المصرية 
• الكاتب – الدكتور غالي شكري
• الناشر – مكتبة الاسرة 
يمتلك المفكر دائما رؤية ثاقبة ترى أبعد من الإنسان العادي لذلك المدقق في الحوار الذي أجراه الدكتور غالي شكري مع الأديب الكبير توفيق الحكيم في سبعينيات القرن الماضي وضمه في كتابه من "الأرشيف السري للثقافة المصرية" حول موقف عميد المسرح العربي من نشوء ظاهرة التطرف الديني والإرهابي يكتشف أن الحكيم يقرأ واقعنا الآني وكأنه يتحدث عن الجماعة الارهابية وما تفرع منه من جماعات بل يتحدث عن هزيمة 67 وكأنها مازالت جاثمة فوق صدورنا في أشكال أخرى من هزائم متعددة 
يقول الدكتور غالي مستعرضنا مظاهر الفتنة 
عادت نغمة «الدين» تحتل موقع الصدارة بأقلام غير متدينة كأنيس منصور ومصطفى محمود. ثم بدأت رياح الفتنة الطائفية تتحرك. ووقف أحد المحافظين – محمد عثمان إسماعيل – ليقول بالحرف الواحد: أعداؤنا ثلاثة هم المسيحيون والشيوعيون واليهود حسب هذا الترتيب. ووقف آخر في ندوة علنية بقاعة اللجنة المركزية للاتحاد الاشتراكي ليقول: نريد عقيدتنا ولا نريد سيناء. وبدا الشيخ عبدالحليم محمود يكتب في "الأهرام" أن أرسطو هو السبب في اندحار الدولة الإسلامية.
واحتدم الصراع..
وهرعت إلى توفيق الحكيم، وكان قد أتيح لي طيلة السنوات العشر الماضية أن أتعرف عليه معرفة شخصية حميمة، ولكني لم اره قط على هذه الدرجة من الانزعاج وعنف التعبير عن هذا الانزعاج كما رأيته في هذه الأيام الأخيرة، بل الشهور الأخيرة وأصبح مكتبه في الطابق السادس؛ حيث أقيم بالقرب منه في "الطليعة" منتدى سياسياً صغيراً يؤمه الشباب والكهول والشيوخ ممن تؤرقهم قضية الوطن ليل نهار.
حين خلوت به ذات يوم من تلك الأيام العصيبة (8-1-1973) وأغلقت الباب ورفعنا سماعة التليفون، قال لي هذا الرجل الذي تجاوز السبعين في حدة شاب لم يبلغ العشرين:
هناك ناس في بلادنا يريدون الرجوع بنا إلى مائتي سنة إلى الوراء.. ليس هذا تديناً ما نشاهده في التليفزيون ونسمعه في الإذاعة ويمتد أثره إلى رحاب الجامعة وملابس الطالبات. إنه "هوس" و"دروشه" و"جنون" تعبيره السياسي المؤكد أن نتحول إلى مجتمع ضد المدنية والحضارة، مجتمع ينتمي إلى أكثر العصور ظلاماً.
كانت الكلمات تغلي على لسان توفيق الحكيم، وانفعالات وجهه تتبدل خطوطها وألوانها بسرعة الضوء، حتى أنني اضطربت على "قلب" الرجل من فرط الحماس المتوهج بالغضب.. ولكنه راح يزجرني بعنف:
قل لي، ماذا تفعلون أنتم يا شباب هذا الجبل؟
أنت تعلم ماذا يصنع شباب مصر؟
قاطعني بقسوة:
هذا لا يكفي.. العبء كله على طلبة الجامعات، وحتى هؤلاء بدأت تتسرب بينهم التيارات الخبيثة التي تتلفع بثياب الدين وتخفي أظافرها المتعطشة للدم بقفازات حريرية من السلف الصالح. البنات في كليات علمية كالطب والهندسة بدأن يرتدين "الطرحة" التي يلبسنها النساء في الحج. هذا غير معقول بمصر التي يمتد تاريخها الحضاري إلى سبعة آلاف سنة.. سأدعو بأعلى صوت إلى تكوين جمعية لحماية الحضارة في بلادي ضد أعداء الحضارة، أولئك الذين يتهدجون بالصلوات والعبارات نهاراً، وفي ظلام الليل تجدهم في شارع الهرم والأحياء الراقية و"الشقق المفروشة".. ليس هذا "تياراً دينياً" بالمعنى الذي كنا نعرفه ضمن تيارات عديدة في الثلاثينيات والأربعينيات من هذا القرن.. ذلك أن "الدين" كتيار فكري له حق الوجود كغيره من التيارات الفكرية.. أنا ما أراه الآن ليس كذلك، أنه تيار مدمر لكل قيمة حضارية، بل هو مدمر للأخلاق نفسها، حتى بمعناها الديني. ذلك أن الشواهد كلها تقول أن التحلل والتفسخ والعفن هو الوجه الآخر لعملة "الدولة الدينية" التي ينادي بها البعض الآن. الدين كان سيظل علاقة شخصية بين الفرد وربه، أما الدولة فشيء آخر، والبشر وحدهم هم المسئولون عنها.
كان توفيق الحكيم يتدفق كسيل منهمر، حاولت أن أهدئ من "معدل سرعة التيار" قائلاً:
- ما تفسيرك لهذه الظاهرة حتى نضع أيدينا على الجذور، قبل أن نحاول البحث عن العلاج.. أن جمعية ثقافية لحماية الحضارة فكرة طيبة، ولكنها فكرة جزئية وعلوية فيما أرى.. أي أنها وثيقة الارتباط بنشاط الصفوة العقلية والفكرية إن جاز التعبير. لابد من البحث عن أشكال أخرى تتصل بالأسباب العميقة، بالجذور.
في هدوء طارئ أجابني توفيق الحكيم:
بالطبع، هناك تراكم سلبيات العشرين عاماً الماضية، رغم الإيجابيات التي لا ينكرها أحد، ولكن الهزيمة في 67 فجرت ما كان يغلي في الباطن ودفعت به إلى السطح، هكذا دفعة واحدة. ولكن الهزيمة في حياة شعوب كثيرة كانت نقطة تحول إلى الإمام والبناء، وبالتالي فالتيار الفكري والسياسي المرشح بعد الهزيمة للتقدم بإنساننا هو عكس ما نراه الآن. الإنسان المهزوم قد يتشبث بالقوى الغيبية أمام الصدمة، أما أن تتحول هذه القوى إلى مشجب نعلق عليه خطايانا، فهو امتهان للعقل البشري من ناحية، وتجاهل للأسباب الحقيقية التي أدت بنا إلى الهزيمة من ناحية أخرى. وصحيح أن مجموع الشعب مسئول عن الهزيمة، ولكن هذا تجريد وتبسيط يبتذل القضية المطروحة.. فنحن جميعاً مسئولون حسب موقع كل منا ودوره. ولا شك أن النظام السابق على 23 يوليو كان آيلا للسقوط، وقد ورث النظام الجديد أعباء ثقيلة من الماضي.. ولكن الصحيح أيضاً هو أن النظام الجديد رغم إنجازه الكثير قد ضل السبيل في معالجة الكثير من القضايا وفي مقدمتها قضية الديموقراطية وقضية العدل الاجتماعي. أن حرية الفكر والتعبير جنباً إلى جنب مع حرية الإنسان الاجتماعية لم تلق من الضمانات السياسية والتنظيمية ما يحول دونهما والعثرات التي تعاظمت قبل الهزيمة، وبعدها للأسف.
قاطعته في اللحظة التي بدأت فيها نبرة صوته ترتعش:
- يظل سؤالك المهم قائماً، وهو لماذا لم تكن الهزيمة نقطة إنطلاق نحو بداية جديدة تستوعب إيجابيات الماضي وتلفظ سلبياته وتبني حياة جديدة؟
التفت في مرارة نضحت على وجهه ابتسامة قصيرة ومتعجلة، وراح يقول بعينين زائغتين بين الباب والنافذة الواسعة المطلة على الشارع المضطرب بشتى التناقضات:
إن جوهر الأخطاء ظل قائماً، فرفع الشعارات وتغيير الاشخاص لا يجدي شيئاً إذا ظلت الأمور على ما هي عليه، بل إن ذلك هو الذي يفاقم المشكلات، فحركات الشباب المتوالية منذ 68 هي أحد التعبيرات عن هذا التفاقم، وحياتنا الثقافية الخالية من المنابر الجادة هي التي تدفع كتابنا إلى نشر إنتاجهم في عواصم عربية أخرى، وهي كذلك تعبير آخر عن هذا التفاقم، والأحداث الطائفية الغريبة على مصر وشعبها وحضارتها تعبير ثالث، وهكذا.. ذلك أن أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير إلى أمام ليسوا ممثلين تمثيلاً حقيقاً في الأجهزة والمؤسسات القادرة على أحداث التغيير.. لذلك فنحن نستغني باللافتات عن المضمون وبالوجوه عن الظهور وبالقمم عن القواعد.. إن حماية نظامنا – كمجموعة من التشريعات الاقتصادية والاجتماعية – تتطلب عملاً ديموقراطياً متواصلاً، يدعم هذا النظام بتطويره، لأن الوجود لا يعرف التوقف ولا يكف عن الحركة، فهي إما إلى الإمام وإما إلى الخلف.. حتى "محلك سر" هي حركة، وليست جموداً وأعداؤنا كثيرون: الاستعمار الأمريكي والصهيونية العالمية ودولة إسرائيل وبعض الأنظمة العربية، وبعض الطبقات الاجتماعية داخل حدودنا تستفيد من تقهقر الوضع، وهي التي تغذي التيارات المتخلفة التي ترتدي ثياب الدين.

شارك