البطريرك 61 مينا الثاني.. من البطاركة المتزوجين

الخميس 30/مارس/2017 - 02:44 م
طباعة
 
بعد وفاة البابا ثاوفانيوس، انتُخِبَ لكرسي البطريرك راهب قس كان أباً لدير من أديرة أنبا مقار، وكان قديساً بالحقيقة، وكان أيضاً عالماً.
فاجتمع الأساقفة والأراخنة - حسب التقليد القبطي في اختيار البطاركة - وتوجَّهوا إلى هذا الأب الفاضل (الذي لم يذكر كتاب ”تاريخ البطاركة“ اسمه) وخاطبوه بسَكِينة ووقار قائلين: ”قد أتيناك يا أبانا القديس، ندعوك إلى أمرٍ إلهي لتكون لنا أباً على الكرسي الرسولي، وها نحن جميعنا نصنع لك مطانوات لأجل الله. فلا تردَّنا خائبين، بل تتكلَّف وتقبل سَعْينا من جهة الرب“. وسجد جميعهم له.
استعفاء الأب الفاضل من هذا التكليف، وتزكيته لتلميذه ”مينا“:
فلما فعلوا ذلك ورأى هذا الأب أنه مغلوب لهم، قال لهم: ”ارفعوا رؤوسكم فأنا لا أُخالفكم قط“.
فلما رفعوا رؤوسهم وهمُّوا أن يضعوا أيديهم (أي أيدي الأساقفة. وهذا هو طقس الرسامة المسمَّى ” ويقسموه، قال لهم: ”بأمر الله اسمعوا مني ما أقوله لكم، هوذا ترونني شيخاً طاعناً في السن، وما بَقِيَ فيَّ من حركة لهذا الأمر لأنه أمرٌ عظيم، وأنتم عارفون قوانين البيعة – الكنيسة - وما يجب فيها، وأنه ينبغي أن يكون مَن يُقدَّم إلى هذه الرتبة لا شيخا فانياً، ولا شاباً لئلا تُعذِّبه شهوة الجسد، ولا زائداً في الكِبَر لئلا يثقل عليه جسده ولا يقدر على القيام بمسئوليات عمله“ .
فلما رأى أنهم لن يتركوه إلاَّ إذا دلَّهم على غيره، قال لهم: ”إن ابني "مينا" يصلح لهذا الأمر، وأنا أشهد له بذلك وبحُسن طريقته الإلهية، وأنه عالم، وسنُّه متوسط“. فصاحوا جميعهم: ”مستحق، مستحق، مستحق“. وقاموا وأخذوا مينا قهراً وقيَّدوه بالحديد في رجليه، وحملوه إلى الإسكندرية، ورسموه بطريركاً هناك. وكان ذلك في شهر برموده سنة 672 للشهداء / 956 للميلاد .
رسم الأنبا مينا بطريركاً سنة 673 شهداء عاصر هذا البابا عصر الولاه المستقلين وكانت مصر تابعة إسمياً لخليفة بغداد ولكن ليس له سلطة حقيقية على البلاد ولكن الحاكم الفعلى كان الإخشيد وقد مكث ثلاث سنين قبل أن يصرح برسامة الأنبا مينا بطريركاً .
كان فى دير أبى مقار فى وادى هبيب راهب قديس من قلاية تعرف بدربنا وكان هذا الرجل مختار أما قصه رهبنته أنه من أهل بلده إسمها صندلا أبواه أجبراه على الزواج فى صباه بغير إختياره لأنه كان وحيدهما - كعادة أهل الريف في مصر - وكان مطيعاً لهما جداً وجهزوا كل إحتياجات الفرح وكان الرجل يرى أن كل ما يتم حوله هو خيال أو منام ولما تمت الأيام وجد نفسه فى حجلته مع زوجته فى حجرة واحدة وكانت من أهله وقريبته فجلس وقال لها : يأختى ماذا نربح فى هذا العالم فهل نقوم الآن ونجتمع ونكمل شهوة الجسد ونرزق ببنين وبنات ؟.. فما الفائدة فى ذلك ؟.. وماذا نربح ؟ ..أليس فى النهاية موت ؟ والقبر نهايتنا ولا بد منه كما هو مكتوب العالم يزول وكل شهواته والذى يفعل الخير يدوم إلى الأبد – فطاب قلب المرأة بهذا الكلام ومثله وظلا الأثنين يتكلمان بالكتب المقدسة لحفظ طهارة أجسادهما , ومكثا ثلاثة أيام حتى قوى إيمانهما وأمانتهم على هذا الطريق الشاق ثم قال لها : " يا أختى قد طاب قلبنا بعضنا مع بعض على إكمال هذا الأمر فإجلسى أنت فى بيتك وأمضى أنا إلى وادى هبيب أترهب وإحفظى هذا السر الذى إتفقنا عليه ولا تعلمى به أحد " فقالت : " نعم "
وكانت قد وضعت فى نفسها أن تقتدى به وتعيش حياة البتولية والتعبد – وإتفقا معا على عيشة البتولية - وفى اليوم الرابع نهض ليلاً وذهب خلسه إلى وادى هبيب وفى اليوم التالى من تركه لبيته سأل أهله زوجته عنه وذلك بعد تمام إسبوع  من زواجه ليفرحوا بالعريس كعاده أهل هذه القرية فقالت زوجته لهم :  " خرج من عندى منذ بدء الليل " فذهبوا وراءه ولم يجدوه – وأصبح فرح العرس حزن وكآبة وإنقضت ايام وهم فى حزن شديد عقب الفرح , أراد أهل المرأة أن يأخذوها عندهم ليزوجوها رجلاً آخر فلم تقبل المرأة مشورتهم وقالت لهم : " الأمر الذى قضى علىٌ به الرب أرضى به , أنا أقيم فى بيتى هذا حزينة على زوجى إلى يوم وفاتى " .
ومكث مينا فى قلاية دير نابا تابعه لدير الأنبا مكارى الكبيرعند راهب شيخ قديس فعلمه مخافة الرب ولما عرفه السر ألبسه ثياب الرهبنه وأخفى أمره ثلاث سنين ولم يعلم به أحد ممن يعرفه .
وأقام مينا ثلاث سنين فى الدير وأمره مخفى عن ابيه واهله ثم عرفوا بعد ذلك خبره وانه حى وقد ترهب وانه موجود فى دير ابى مقار ومضوا هناك ليطمأنوا عليه فرأوه خادماً للرب ممجداً له – أما المرأه فحفظت العهد الذى تعاهدا سوياً عليه ولم تنقضه , وأقام مينا زماناً طويلاً فى وادى هبيب واصبح سائحاً (1) وحدث أن تنيح الأب أنبا تاوفانيوس البطرك رقم 60 فإجتمع الأساقفة والأراخنة ليقيموا عوضه فبلغهم خبر أب شيخ قديس أب القلاية لرهبان كثيرين وعبادته فى الديارات وأن لديه علم فذهبوا إليه فلم تكن لهم القدره على أن يحلفوه أو يكلموه بما لا يريد ولم يزعجوه لأجل قداسته بل خاطبوه بكل إحترام ووقار وقالوا:" لقد حضرنا إليك يأبانا القديس ندعوك لأمر إلهى لتكون لنا أباً على الكرسى الرسولى وكلنا نعمل لك مطاونات لأجل إلهنا فلا تردنا خائبين بل نرجوك أن تقبل مساعينا من جهد الرب " وسجدوا جميعاً له , فلما فعلوا ذلك ورأى أنه مغلوب معهم قال لهم : " إرفعوا رؤوسكم فلن اخالفكم فلما رفعوا رؤوسهم وهموا بوضع أيديهم عليه لرسامته قال لهم : " بأمر من الرب إسمعوا منى ما أقوله لكم أنتم تروننى شيخ كبير ولا أقدر على الحركة لإتمام هذا الأمر لأنه أمر عظيم ومجيد وأنتم عارفين قوانين الكنيسة وما يجب فيها – أنه ينبغى أن يكون المتقدم إلى هذه الرتبة وسط السن لا شيخا فانى ولا شاب لئلا تعذبه شهوة الجسد ولا زايد فى الكبر لئلا يثقل عليه جسده ولا يقدر أن يقوم بما يجب فعله " فقالوا له : " لن نتركك إلا أن تعرفنا من يصلح لهذه الرتبة فلما علم انه لن يتركوه حتى يدلهم على غيره فقال لهم : " ولدى مينا يصلح لهذا الأمر وانا اشهد له بذلك وبحسن طريقه نحو الرب الإله وانه عالم وسنه متوسط فصاحوا جميعاً فى وقت واحد : " مستحق .. مستحق .. مستحق "
ثم قاموا إليه واخذوه قهراً وقيدوه بالحديد فى رجليه وحملوه (2) إلى الإسكندرية ورسموه فيها بطركاً وعاد معه الأساقفه والشيوخ فإجتاز بقريته فذهب إليها ليسلم على أهله فلما سمعوا بحضوره خرجت قريته والقرى المجاورة بالمجامر والصلبان ودخل إلى منزل ليستريح فلما جلس والجمع حوله حضر إنسان شرير من أهل قريته فقال لأحد الأساقفة : " أليس أنتم تقولون أنه لا يجوز لمن تزوج أن يصير بطريركاً " قال : " نعم " فقال : " هذا تزوج وزوجته باقية إلى الآن عندنا فى القرية " فلما سمع هذا الأسقف هذا الخبر حزن واخبر باقى الأساقفة الذين معه وقال لهم : " يا أخوه إعلموا أننا قد أصابتنا مصيبه عظيمة وفضيحة وصرنا عاراً عند كل واحد وعرفهم الخبر " ويقول إبن المقفع (3) عندما سمع الأساقفة الخبر أنهم : " سكتوا وصاروا كالسكارى بغير خمر من الحزن "  وتشاوروا وإتفقوا على خلعه من وظيفته فعقدوا مجمعاً ليتحققوا من الأمر وقالوا له : " لقد عرفنا أنك متزوج وقد فعلنا معك ما لا تجوزه قوانين الكنيسة ولم نستقصى ولم نبحث فقل لنا الحقيقة فقال لهم : " فلما رآهم البطريرك يتشاوروا حس بأمر إنزعاجهم الشديد الأمر صحيح  لكن إحضروا لى المرأة " فأحضروها فقال لهم البطرك عرفيهم السر الذى بينى وبينك فأخبرتهم بأنه لم يعرفها معرفة زواج البتة فلما سمعوا قولها مجدوا الرب عند معرفتهم الخبر من المرأة نفسها وجميع أهلها وكيف أن المرأة عاشت بتول بدون زواج حتى لحظة سؤالهم وشهد أهالى صندلا بصدق حديثها وعفتها وخدمتها لهم وإستقامتها التامة قائلين : " قد إحتفظت العفيفة بالعفة والطاهرة بالطهارة " ومجدوا الرب وضربوا له مطاونه .
وكان الأنبا مينا البطريرك مقيماً فى الريف عندما بدأت السبع سنين العجاف فلما إشتد الغلاء أكثر إنتقل إلى قرية تابعة لـكرسى تيدا تعرف بإسم محلة دانيال وقال أبو المكارم فى مخطوطه (4): " وكان أنبا مينا البطريرك 61 قد بنا فى هذه المحلة مذبح على إسم القديس مرقس الإنجيلى وعمل عليه الميرون المقدس لكونه لم يقدر أن يذهب إلى الإسكندرية ولا وادى هبيب بحكم الغلاء الذى كان فى بداية خلافة المعز لدين الله من العلويين فى مصر " وحدث أن إمرأه من أهل بلقونة غنية محبه للرب إسمها دينة قامت فى أيام الغلاء تخدم البطريرك وتلاميذة وتقوتهم وتحضر كل ما يطلبونه وما يحتاجونه أطلق عليها الأنبا ساويرس لقب شرفى هو " رييسه" وهو يقابل كلمة " الأرخن " القبطية دليل على مكانة المرأه فى الكنيسة القبطية وظل لمده سنة لم يذهب إلى الإسكندرية مركز رئاسته ولم يمضى أيضاً إلى وادى هبيب ( النطرون )
ليرفع الميرون المقدس فبنا مذبح لطيف (5) فى محله دانيال على إسم القديس مرقس وحمل عليه الميرون , ولما إنتهت أيام الغلاء السبعة وأنعم الرب على الناس بالرخاء عاد أهل الغربية إلى أماكنهم فلم يجدوا قمح يزرعونه فإستورده التجار من الشام –
وكانت تلك السنة التي جُعِلَ فيها الأب ”مينا“ بطريركاً سنة 672 للشهداء (أي سنة 956 لميلاد المسيح).
قلاقل تحدث في مصر، في عهد هذا الأب ”مينا“:
وفي عهد هذا الأب، حدثت قلاقل سياسية كثيرة. فقد مَلَكَ على البلاد ”كافور“ العبد الحبشي بعد أن اشترك مع ابن الأخشيد المسمَّى ”القاسم“ في تدبير الدولة. وبعد موت ابن الأخشيد، استقل ”كافور“ بالمُلك وحده.
ولكنه لم يهنأ طويلاً لأن جيشاً من ”الفاطميين“ زحف كالجراد على مصر من جهة بلاد المغرب تحت قيادة ”جوهر“ العبد الرومي للمعزِّ لدين الله الفاطمي. وفي زمنٍ قصير احتل الجيش الفاطمي الفيوم والثغر الإسكندري، ثم زحف على الفسطاط (القاهرة). وهكذا انتزع الخليفة الفاطمي مصر والخلافة من دولة الأخشيديين.
ولما دخل جوهر الصقلي الفسطاط شرع في إصلاح شئون البلاد وحفر الترع، كما بنى مدينة سمَّاها ”قاهرة المُعزِّ“. وكلمة ”قاهرة“ هي النُّطق العربي لاسمها الفرعوني القديم ”كاهي“ أي ”مدينة“، و”را“ أي ”الشمس“؛ أي ”مدينة الشمس“، أو باليونانية ”هليو“ أي ”الشمس“، و”بوليس“ أي ”مدينة“؛ أي ”مدينة الشمس“، وليس كما يذكرون أنها سُمِّيت على اسم كوكب يُسمَّى ”القاهر“!
كما بُنِيَ الجامع الأزهر، ليكون أثراً خالداً له، مثلما كان جامع عمرو بن العاص، وجامع أحمد بن طولون. وجعله أفخم وأعظم من سابِقَيْه.
وشاد جوهر الصقلي في القاهرة القصور والدور الجميلة، وغرس البساتين وأحاطها بسورٍ عالٍ. وقد أكمل كل ذلك في مدة 3 سنين. ثم دعا مولاه ”المعزّ“ ليجلس في عاصمة مُلْكه الجديد. فجاء من المغرب إلى القاهرة وسكن فيها. وكان المعزُّ يشتهر بقسوته وكرمه بآن واحد ليُدبِّر مملكته حتى اشتهر عنه القول: ”سيفُ المُعزِّ وذهبُه“. وذلك أنهم لما سألوه عن أصل لقبه ”الفاطمي“ وإلى مَن ينتسب؟ عقد مجلساً ودعا كبار الناس والأشراف وجلس معهم، واستلَّ سيفه وقال لهم: ”هذا نَسَبي“، ثم نثر عليهم ذهباً وقال: ”وهذا حَسَبي“. فقالوا له: ”سمعنا وأَطَعْنا“, وسنقرأ عن هذا العنف والكرم في حادثة نقل جبل المقطم فيما بعد.
ثم خَلَفَه بعد وفاته أو تنازُله ابنه العزيز ولم يكن على معرفة بأمور السياسة لصغر سنِّه، فعيَّن جوهر الصقلي قائداً للجند، وأقام ”يعقوب“ اليهودي وزيراً (وهو الذي سيُذكر اسمه في قصة معجزة نقل جبل المقطم، كما سنوردها في سيرة البابا أبرآم بن زرعة البابا الثاني والستين المعروف باسم: ”ابن زرعة“).
البابا ”مينا“ يواجه المآسي التي حدثت بعد دخول الفاطميين:
ففي أول سنة مَلَكَ فيها هؤلاء المغاربة على أرض مصر، أولئك الذين تسمَّوا باسم خليفتهم المُلقَّب بالفاطمي، تشرَّقت (أي جفَّت عن أن تُثمر) الأرض ولم تُروَ، فبدأ الغلاء.
وفي السنة الثانية أوفى النيل (أي فاض)، فزرع الناس وأثمر زرعهم. ولكن هاجمت الفئران المحاصيل. وفي السنة الثالثة هبَّت رياح أهلكت الزرع.
وفي السنة الرابعة نزل على الزرع جراد عظيم فأكله. وظل الغلاء سبع سنين متوالية، وكان الغلاء عظيماً في جميع أرض مصر، حتى أن كورة مصر خَلَت من الناس لكثرة الموتى والجائعين. وفي السنة السابعة، غلا ثمن القمح جداً.
وكان من نتيجة ذلك أن خربت إيبارشيات كثيرة من الأساقفة لخلوِّها من الناس، ولم يُقَم لها أساقفة بل أُضيفت رعايتها إلى الكراسي العامرة المجاورة لها وهذه البلاد هي: ترنوط، أوراط، نستروه، انحلو، اصطف، حريوط، أتوشو، أبورسا، دقهلة (أو دقهلية)، نقيوس، وأماكن كثيرة جداً.
وكان الأب مينا البطريرك في هذا كله مقيماً بالريف. إذ أنه لما اشتد الغلاء، انتقل من الإسكندرية وسكن في ضيعة بالقرب من ”تيدا“ (مركز كفر الشيخ) تُعرف بمحلة دانيال، وكانت امرأة غنية من أهل ”بلقونه“ (قرب سمنود) خائفة من الله اسمها ”دينا“ كانت تقوم كل أيام الغلاء بالصرف على البابا البطريرك وتلاميذه.
وأقام البابا مينا سنة لم يدخل الإسكندرية ولا إلى وادي هبيب. واضطر لكي يُقدِّس الميرون أن يبني مذبحاً صغيراً في محلة دانيال على اسم القديس مار مرقس، وقدَّس عليه الميرون.
ولما انقضت سنو الغلاء السبع وأنعم الله على الناس بالرخاء، عاد المتغرِّبون عن بلادهم إلى مواطنهم، وبدأوا يزرعون القمح.
ثم تنيح الأب البطريرك أنبا مينا بعد أن أقام ثماني عشرة سنة. وكان في آخر أيامه رخاء عظيم، وكان القمح يُرمَى على الناس رمياً بأمر السلطان لكثرته ووفرته.
وكانت نياحته في 3 كيهك عام 974م بحسب التقويم الشرقي.

شارك