بنكيران وتطور الأشكال الديمقراطية

الثلاثاء 07/نوفمبر/2017 - 05:11 م
طباعة
 

حين كنت أدافع عن بنكيران كأمين عام ورئيس للحكومة، صدقوني كان ينتابني الكثير من الخوف والغربة والوحشة .. عز حينها النصير، كانوا يكيلون إلي سيلا من الاهانات والاتهامات(عباد بنكيران، تريد منصبا ما...)، فوالله لم أكن أرغب في أجر أو جزاء غير التوفيق والسداد لهذا الرجل، وقد كافأني الله بأكثر من ذلك بعد أن صار، وفي وقت وجيز، كل من كان زاهدا في بنكيران أكثر احتفالا مني به.

فما الذي تغير اليوم؟ طبعا تبقى مكانة الرجل عالية في قلبي، ونجاحه كان باهرا في اختراق حصون الدولة العميقة وفك شفرات السياسة بالمغرب. غير أن كثرة الضغوط الرهيبة والظروف الدولية التي أحاطت بفترة تشكيله الحكومة الثانية، دفعته إلى ارتكاب أخطاء كلفته فقدان الولاية الثانية ووضعت حزب العدالة والتنمية في موقف حرج(مثال تسرعه في إعلان موقفه من لشكر الذي شارك في انجاح لبلوكاج).

يتمثل المتغير الاول في انتخاب "دونالد ترمب" بالتزامن مع تشكليه الحكومة، إذ سيجعل ذلك من بنكيران شخصية لا تناسب المرحلة، وقد استثمر خصومه هذا المعطى بشكل فظيع. ويتجلى المتغير الثاني بتأثير قساوة الضغوط في تطور الاشكال الديمقراطية المعبر عنها في القوانين الداخلية لحزب العدالة والتنمية.

فحين أُخَيَّر بين قيادة الزعيم بنكيران ومبدأ حصر الولايات في اثنتين أرجح الاختيار الثاني لسبب مبدئي واضح يتجسد في أن الانتصار للمبادئ والقيم وحده السلاح الاستراتيجي الكفيل بتقويض منطق الاستنفاع والفساد.  وعلمنا التاريخ بأن من ينتصر دوما هو من يخطط ويعمل برؤية استراتيجية.

استوعب بعض من تابع موقفي قوة هذه الفكرة حين التقط تفعالي بالدارجة "فاش باباهم الميريكان أحسن منا" لكنه سرعان ما نكس على رأسه قائلا ما ظروفنا بمثل ظروف أمريكا. صحيح  لا يوجد في أمريكا أخنوش ولا العفاريت أو التماسيح، ولو أنه مع اشتداد الخطب ووطأة الضغط لن تجد غير المبدأ شافيا وكافيا لما يختلج في الصدور من حسرة وخيبة.

ثم إن في أمريكا ما يزعج ويربك أكثر من أخنوش المغرب وعفاريته وتماسيحه، هناك بعيدا يا اخوتي وحوش أكثر ضراوة وديناصورات عملاقة كاسرة تجسدها الشركات العابرة للقارات ويمثلها اللوبي الصهيوني الذي يمكن أن تطالك يده وأنت في بيتك. لكن أمريكا ستظل دائما قوية ما دامت تُؤْثر تطوير الاشكال الديمقراطية سبيلا للمواجهة كلما زاد طغيان هذه الكائنات المريضة، وما دامت تنأى بنفسها عن الاقتيات من فيروسات الطغيان والاستبداد لتقيم توازنا مع واقع هذه الكائنات.  

وقد يقول لي قائل: تتحدث كما لو كنت ترثي الديمقراطية داخل حزب العدالة والتنمية، والحال هو أن أي قرار يخص تعديل المادة 16 من النظام الداخلي لن يتم خارج الممارسة الديمقراطية مشيرا إلى التصويت المفضي إلى قرار أغلبي. إن ظاهر كلامه صحيح، لكن صاحب هذه المرافعة أغفل بأن للديمقراطية مراتب، فالتصويت ممارسة ديمقراطية بدائية قُننت منذ القرن 19م، ثم بعد ذلك تطورت الاشكال الديمقراطية حتى صارت للاقلية المعارضة حق في تسيير جزئي لمؤسسات الدولة.

وقد لا أكون مبالغا إذا قلت بأن حصر تولي الرئاسة في ولايتين من أسمى الاشكال الديمقراطية على الاطلاق،  لما فيه من منافع جليلة ظاهرة وخفية لن ينتبه إليها من استبدت به اللحظة وغشيت بصيرته المشاحنات الفارغة.

إن في تحديد مدة الرئاسة انتصاف للتاريخ من ظلام قرون الاستبداد، وتقويض لتقديس الزعامات الملهمة، ورحمة برجالات متفانية، وتحرير لطاقات ضائعة. 

شارك