كتاب حول قضايا العنف.. يؤكد الإرهاب الديني ضرب من ضروب العنف السياسي

الإثنين 27/مايو/2019 - 01:10 م
طباعة روبير الفارس
 
مع التصاعد الملحوظ  في ظاهرة العنف على مستوى العالم سواء اكان عنف مبرّر ثقافياً، أو مؤول سياسياً، أو دينياً، أو عرقياً.. لقد وُجد العنف دائماً، وقام الإنسان بمحاربته في كلّ زمان ومكان، والعالم اليوم ليس أكثر عنفاً من الأمس البعيد؛ وإنَّما العنف اليوم صار مرئيّاً أكثر، من خلال وسائل الإعلام التي تنقل لنا يوميّاً مشاهد القتل والحرب من كلّ أماكن النزاع دون أدنى مراعاة للكرامة الإنسانيّة. ولكن لماذا يوجد العنف؟ وما دلالاته؟ وما جذوره وآليّات عمله؟ وما أسبابه؟ أَثمّة عنف مشروع وآخر غير مشروع؟ وهل يمكن الحديث عن عنف أخلاقي وآخر لا أخلاقي؟ أَيمكن تجاوزه، أم لا يوجد أيّ أمل في تجاوزه؟ وهل العنف مجرّد ظاهرة نفسيّة مرتبطة بالبنية النفسيّة للإنسان؟ هل هو قدر بشريّ وحتميّة تاريخيّة؟ أَهو نفسي أم اجتماعي أم اقتصادي أم رمزي؟ أَثمّة علاقة تلازميّة بين العنف والمقدَّس؟ وهل كلّ مقدَّس عنيف؟ أَيمكن تبرير العنف بدعوى الدفاع عن المقدَّسات وعن حقوق الإنسان؟ ربما تُعد حركات العنف ردّة فعل الهويّات المحتَقَرة ضدّ حروب التدخل لفرض الديمقراطيّة أو حماية حقوق الإنسان، أو ضدّ الهيمنة الثقافيّة، وكلاهما ملازم لظاهرة العولمة. كما أنَّ الإرهاب الديني ضرب من ضروب العنف السياسي، بمعنى أنَّه يمثل رفضاً للهيمنة الثقافيّة والسياسيّة، أي إخضاع الشعوب، والتحكّم في مصائرها بشكل مباشر وغير مباشر.  من هنا ينطلق كتاب  “التطرُّف الديني؛ العنف قضايا وإشكالات” لعدد من الباحثين  والذى نشرته مؤسسة " مؤمنون بلا حدود "
حيث يساهم الكتاب من خلال الاوراق البحثية المنشورة  في تتبّع ظاهرة العنف، ومحاولة فهمها، وسبر مشكلاتها العميقة، وكيف أضحت هاجساً أساسياً للعالم. لهذا عمد الباحثون إلى بيان المفاهيم المتقاربة حول ظاهرة التطرُّف من جهة طبيعتها. كما قدموا تشريحاً مستفيضاً عن الإسلام السياسي وسيكولوجيا العنف، مميزين بين نطاقات الممارسة الإسلامية الناضجة والواعية، وتلك التي لا تقبل المختلف  من نفسية الغلوّ الزائد عن الحد.  لا يدّعي صنّاع العمل أنّه أجمل حقيقة التطرّف الديني،  فالكتاب ساهم في محاولة تفسيره ومقاربته.

فمن خلال هذه  الدراسات النظرية للمفكّرين والباحثين مفتاحاً جوهرياً يتيح لأوساط الحياة الأخرى أن تحلّ مثل هذه الأنماط من المفاهيم  والممارسات، أو تساهم في معالجتها، وتجنِّب الإنسان ويلات الإنسان فقط لأنّه مختلف. وخلص هذا المشروع إلى أنّ التطرف حالة شاذة وغريبة وممقوتة تمثّل خروجاً سافراً على تقاليد الأديان الكبرى، وتمثّل تهديداً للجميع؛ وعلاجها بحاجة إلى تضافر كلّ الفعاليات الفكرية والمؤسسية.
ومن الابحاث التى يضمها الكتاب بحث للدكتورة  سلمى بالحاج مبروك  يناقش أصول العنف، منطلقة من تحديد فلسفي يعرف العنف بوصفه: "كلّ فعل يصدر عنا لنتصرّف ونفعل كما لو كنّا وحدنا فقط". وكأنَّ بقية الكون موجود هنا ليتلقى منا الفعل فقط ويخضع لرغباتنا. لتخلص إلى بحث آليّات تفكيك العنف لفهم بنيته النفسيّة. ثمّ تنتهي إلى أنَّه إن كان من المستحيل إزالة العنف، فعلى الأقل ثمّة إمكانيات للخفض من منسوب حدّته.

ولدارسة العنف السياسي قدّم د. منوبي غباش (جامعة تونس) بحثاً في علاقة الفلسفة والسياسة بالعنف. حيث أكّد في بداية دراسته أنَّ العنف يمثل تحدياً للفلسفة التي تعي محدوديّة فاعليتها إزاء الواقع العملي الموسوم باللاعقلانيّة. كما تعي أنَّ البشر لا يلتزمون في أفعالهم واختياراتهم بما يقضي به العقل، بل يتبعون أهواءهم وميولاتهم الغريزيّة، وهو ما يفضي إلى التنازع والصدام. والفلسفة برسم تعريفها كحوار وتفكير فإنَّ العنف هو بالضرورة نقيضها، ولهذا يطرح السؤال المتعلق بنوع الخطاب الذي يمكن أن تصوغه الفلسفة من أجل فهم آخَرِها المطلق. إنَّ هيمنة العنف على العالم الإنساني يعني نهاية الحوار وانعدام التواصل وإلغاء الحريّة. وإدانة الفلسفة للعنف ومعارضتها لكلّ أشكاله إنَّما هو التزام بما تقتضيه ماهيتها، بمعنى أنَّ معارضتها للعنف هو انتصار لذاتها ولحقيقتها.


كما يقدّم د. عماد الدين إبراهيم عبد الرازق (مصر) قراءة في مفهوم العنف عند الفيلسوفة الألمانيّة حنة أرندت التي ركّزت مقاربتها له من منظور سياسي.

وفي تحليلها لظاهرة العنف ركزت د. حلا السـويدات في مداخلتها: "في إخضاع العنف للنسق الفلسفي التحليليّ" على مقولة الكليانيّة كشرط مؤسّس للظاهرة، مستحضرة المقاربة الهيجليّة، مع انفتاح على مفهوم الهويّة كعامل اجتماعي رئيس.

وفي مساءلة دعوى "شرعية العنف" استحضر الباحث المغربي د. يحيى بن الوليد أطروحة الخطاب ما بعد الكولونيالي، بوصفها إحدى المقاربات المهمّة في مجالات الدرس الأكاديمي والبحث الاجتماعي، للظواهر السياسيّة المتعقلة بإشكاليّة المثاقفة.

وانطلاقا من الواقع السياسي العربي الإسلامي يشهد جدلاً متصاعداً حول إشكاليّة العنف، قدَّم د. غيضان السيد علي (مصر) دراسة في "البِنية الأيديولوجيّة للعُنف لدى الجمَاعات الإسلامويّة"، محاولاً الكشف عن دوافع العنف المختلفة وأسبابه الكامنة لدى الجماعات الإسلامويّة. ، كانت إشكاليّة هذا البحث في الكشف عن دوافع العنف المختلفة وأسبابه الكامنة لدى الجماعات الإسلامويّة من منظور أهمّ العلوم الإنسانيّة المتخصّصة. وقد انطلق هذا البحث من إشكاليّة تعريف العنف، والأسباب المختلفة التي أدّت لظهور الجماعات الإسلامويّة، إلى تفسير ظاهرة العنف لديها من المنظور الاجتماعي؛ ذلك الذي يربط تفسير العنف بالمرحلة السنيّة، وأنماط التنشئة الاجتماعيّة الخاطئة، وبيئة المنشأ والتكوين، والطبقة الاجتماعيّة. في حين يحاول المنظور النفسي تفسير العنف من خلال الاغتراب النفسي، والإحباط، والشعور بالاضطهاد، وعدم القدرة على تحقيق الأهداف. أمّا المنظور السياسي، فيربط تفسير العنف بطبيعة أنظمة الحكم، وإيمان تلك الجماعات بأنَّ العنف هو الوسيلة الوحيدة للتغيير، وارتباط العنف بقيام الثورات، وكمونه في طبيعة التنظيمات السريّة. في حين يُرجع التفسير الفكريّ/ الديني العنف إلى تلك الإيديولوجيّات التي تحكم على المجتمع بالجاهليّة، وتقسم المجتمعات إلى دار حرب ودار إسلام، فضلاً عن ذلك، الفهم الخاطئ والملتبس لمفاهيم الجهاد، والحاكميّة، والفرقة الناجية، والفهم القاصر لفقه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وذلك في محاولة جادّة لتحديد البنية الأيديولوجيّة للعنف لدى الجماعات الإسلامويّة من أكثر من منظور.

شارك