دراسة جديدة حول الإسلاميون في موريتانيا والاستراتيجية ضد التطرّف العنفي

الإثنين 10/يونيو/2019 - 03:27 م
طباعة حسام الحداد
 
يقدم الباحث فريدريك ويري المتخصص في العلاقات الدولية، كلية سانت أنتوني، جامعة أكسفورد في ورقته البحثية والتي تستند إلى عمل ميداني، في موريتانيا ومقابلات مع مسؤولين ورجال دين ومع جهاديين سابقين، في هذه الأسباب الجذرية للتطرّف، وتضع تقييماً حول مدى ديمومة الرد الذي يلجأ إليه النظام، عبر تركيزه بصورة خاصة على استمالة الأئمة السلفيين الذين يعبّرون عن آرائهم بجرأة ويمتلكون روابط مع الجهاديين. وعلى الرغم من أن النزعة الجهادية العنفية غير سائدة في أوساط الإسلاميين الموريتانيين، إلا أن البلاد تنتج منذ وقتٍ طويل عدداً كبيراً من الجهاديين الذين ينضمون إلى المجموعات المقاتلة الإقليمية، ولاسيما نسبةً إلى عدد سكانها الصغير. يواصل الموريتانيون القتال في صفوف التنظيمات الجهادية في الساحل (ولاسيما في مالي)، ويتولّى بعضهم مناصب رفيعة – دينية وقانونية في معظم الأحيان - خصوصاً في تنظيم القاعدة.3 في غضون ذلك، يُمنَح العلماء السلفيون الموريتانيون الذين كانوا سابقاً في السجون، هامشاً للخطابة والتكلّم في الشؤون السياسية – ويلامسون أحياناً حدود الدعوة إلى القتال – شريطة ألا يُشكّلوا تهديداً مباشراً للحكومة. كذلك تُجيز الحكومة لوسائلها الإعلامية نشر بيانات صادرة عن مجموعات جهادية في الصحارى والساحل. إذن، يخضع العنف الجهادي في موريتانيا إلى الكوابح التي تفرضها القبضة القوية للدولة والوسائل العسكرية التقليدية لمكافحة الإرهاب، والتي يُخفِّف من حدّتها التساهل التكتيكي تجاه الإعلام الجهادي والإجراءات "الناعمة" مثل توسُّط أئمة لدى الجهاديين في السجون.
حيث طرحت الحكومة هذا "النموذج الموريتاني" لإعادة التأهيل والممانعة المجتمعية واستيعاب الأئمة بمثابة نمط يمكن استنساخه في أماكن أخرى، واستضافت مؤتمرات لنشر هذه الفكرة. وقد عَزَف مسؤولون أميركيون أحياناً على وتر هذا النهج، مشيدين بموريتانيا التي وصفوها بأنها نموذج يُحتذى في "التصدّي للتطرّف العنفي".4 لكن هذه الأساليب في التعاطي مع الجهادية العنفية – وبالطبع مع السلفية – ليست قابلة للاستنساخ بالضرورة؛ بل إنها نتاج التباسٍ مدروس ومقامرة سياسية، وبالتالي فهي غير موثوقة.
وفي مطلع مايو 2018، أصدر تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي بياناً حضّ فيه أتباعه على شنّ هجمات ضد الأجانب في بلدان الساحل، ومنها موريتانيا.1 وبعد انقضاء عامٍ تقريباً، لم ينفّذ الجهاديون هذا التهديد في موريتانيا، مايُسلّط الضوء على الشوط الطويل الذي قطعته البلاد بعد موجة الهجمات التي ضربتها في المرحلة بين 2005 و2011.2
منذ تلك الحقبة العنفية، أثبتت موريتانيا أنها عصيّة على الجهادية بطريقة لافتة، على الرغم من وجود عوامل تُغذّي التطرف، كالانقسامات الاجتماعية العميقة، والفساد، والسلطوية، واشتداد القنوط الاقتصادي، وتوافُر ملاذات جهادية آمنة وساحات معارك خارجية في الجوار، آخرها في مالي. ووفقاً لمصادر حكومية، تمكّنت موريتانيا من الصمود في وجه العاصفة لأسباب عدّة أبرزها الجمع بحنكةٍ بين الحوار مع بعض الجهاديين المسجونين وإعادة تأهيلهم وبين فرض عقوبة قضائية قاسية بحق آخرين، فضلاً عن تعزيز مراقبة المساجد والمدارس الإسلامية وترسيخ السيطرة عليها. وهذا الإجراء الأخير يبدو ذا أهمية بالغة في السردية الرسمية التي تعتبر أن التقليد التاريخي العريق للمدارس والتعاليم الإسلامية في موريتانيا يساهم في تحصين المتشددين المحتملين ضد أفكار الجهادية المضلَّلة. غير أن هذه السردية تؤدّي إلى التعتيم على الجذور الاقتصادية الاجتماعية الأكثر عمقاً لمسألة التطرّف.
وتستند سردية الحكومة الاحتفائية هذه، في نهاية المطاف، إلى أساسٍ متزعزع، ولاسيما على ضوء المشهد الاقتصادي والاجتماعي القاتم في البلاد، والفساد المستشري، والتشنّجات المجتمعية القائمة. وقد استغلّ المتطرّفون العنفيون هذه المحن في السابق.
وحول التحدي الجهادي يقول الباحث: "التحدي الجهادي السلفي الذي انطلق في ظل نظام الطايع وهزّ موريتانيا من العام 2005 إلى 2011، كانت شرارته الوضع الداخلي الذي ازداد سوءاً في البلاد، كما غذّته التطورات الإقليمية. لكنه استمدّ جذوره أيضاً من التقاء مجموعة من الأحداث المحلية والعالمية قبل عقودٍ من الزمن. ففي الثمانينيات، توجّه شبانٌ موريتانيون إلى أفغانستان لمحاربة السوفيات، وتواصلوا في هذا الإطار مع شبكات جهادية عالمية؛ وقد تسلّم عددٌ كبير منهم مناصب عليا في تنظيم القاعدة. يمكن اعتبار أبناء هذا الجيل أسلاف الفوج الأخير من الجهاديين، ووجهه الأشهر هو محفوظ ولد الوليد الذي سيشار إليه لاحقاً باسمه الحربي أبو حفص الموريتاني،36 الذي تحمل دوافعه ومسيرته في الجهاد وخارجه دروساً لفهم مسارات الجهاديين الأكثر عصرية."
وفي اجابته عن: مَن هم الجهاديون؟ يقول الباحث: "المعلومات عن الجهاديين الموريتانيين – المسجونين المشتبه بهم وأولئك الذين تأكّد مقتلهم في الداخل والخارج – مستمدّة من مصادر حكومية ويجب حكماً التعامل معها بحذر. إنما يمكن تمييز وجود أنماط إثنية واقتصادية اجتماعية، إذ وفقاً لأحد المصادر التي يجري الاستشهاد بها على نطاق واسع، بلغت نسبة البيضان نحو 75 في المئة من أصل سبعين شخصاً موقوفاً (بما في ذلك المتّهمون في أعمال عنف وداعموهم)، في حين شكّل الحراطين والموريتانيون الأفارقة 17 في المئة و9 في المئة على التوالي. اقتصادياً، كانت أكثريتهم من ذوي الدخل المتوسط أو المتدنّي، وكان معظمهم دون سنّ الثلاثين. كانت هناك على مايبدو تجارب مشتركة أخرى تربط بينهم، وتتمثّل في البطالة المقنّعة والانحراف، والخدمة أو محاولة الخدمة في الجيش، والتي أعقبها اعتناق السلفية في مسجد ثم التجنّد والتدريب لخوض الجهاد، عادةً في شمال مالي أو الجزائر، أو بوتيرة أقل في مناطق موريتانية نائية.51 لقد تلقّى كثرٌ منهم تحصيلهم العلمي في المحظرة على الرغم من أن المسؤولين والعلماء ينكرون، وفق ماورد آنفاً، أن يكون هذا الأمر المصدر المباشر للتطرّف أو التجنيد. غير أن وجود جهاديين من ليبيا والجزائر ومالي في هذه المدارس دفعَ بالحكومة إلى بذل جهود دؤوبة لمراقبة التحاق الأجانب بها اعتباراً من العام 2005.
وحول نتائج البحث يقول: بلغ العنف الجهادي في موريتانيا ذروته القصوى، ثم بدأ بالانحسار بعدها، ويبدو أنه جرى احتواؤه من خلال مزيجٍ من الإكراه والاستيعاب. وفي غضون ذلك، يبدو أن الاندفاعات السلفية باتجاه الحِراك السياسي والسياسة الحزبية كُظِمت أيضاً؛ فقد قال الإمام السلفي أحمد مزيد ولد عبد الحق في مقابلة معه إن السلفيين لايمتلكون الرأسمال المادّي أو البشري لإنشاء حزب. وهكذا يبدو أن السلفية في البلاد تقتصر على قطبَين اثنين يتمحور كلٌّ منهما حول الخطابة غير العنفية والإعلام: قطب أوّل موالٍ للحكومة ويتجسّد في شخص إمام الجامع الكبير، أحمد ولد لمرابط ولد حبيب الرحمن، وقطب ثانٍ أكثر حراكاً وانتقاداً يُجسّده أبو حفص الموريتاني والمجلسي، وهو استفزازي لكنه يحترم الخطوط الحمراء التي وضعها النظام.
إنما يجب التعامل بحذر مع النزعة الانتصارية للحكومة. فموريتانيا لاتزال غارقة في الفساد والفقر. والمناطق الواقعة عند الأطراف والحدود، التي تُشكّل معاقل الجزء الأكبر من النشاط الجهادي، بحاجة ماسّة إلى التنمية. لقد أسفر اكتشاف الغاز في المياه عند الحدود مع السنغال مؤخراً عن تدفّق الاستثمارات الخارجية المباشرة، ماساهم في إحياء الآمال بحدوث تحسّن اقتصادي. غير أن بعض المراقبين الموريتانيين يتساءلون في مجالسهم الخاصة عما إذا كانت الأموال ستصل إلى الشعب، نظراً إلى فساد الحكومة وافتقارها إلى الشفافية. في المقابل، يمكن أن يُشكّل الكسب المادّي الكبير والمفاجئ مادّة جديدة يستخدمها الجهاديون لانتقاد الحكومة: فقد يحاول تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي تصوير الاستثمارات بأنها تشكّل اعتداء على سيادة البلاد.
يُضاف إلى ذلك لجوء نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي فاز في الانتخابات في العام 2009 ومجدداً في العام 2014، بصورة متزايدة إلى النزعة السلطوية وقمع حرية التعبير. ففي يناير 2019، بدا أن ولد عبد العزيز يدحض الشائعات التي تحدّثت عن سعيه للترشح لولاية رئاسية ثالثة، وذلك عبر دعمه لترشّح وزير الدفاع محمد ولد الغزواني الذي هو من الموالين المخضرمين له، للانتخابات الرئاسية المزمع إجراؤها لاحقاً هذا العام. وقد رأى مراقبون للشأن الموريتاني أنها خطوة فيها حنكة الهدف منها أن تحافظ زمرة النخبويين التابعة للرئيس والمستمدة من حزب الاتحاد من أجل الجمهورية على قبضتها على السلطة – فضلاً عن الإبقاء على تقليد التأثير العسكري على السياسة. وفي إطار التحضير للانتخابات، اتخذ ولد عبد العزيز أيضاً إجراءات لقمع الإسلاميين، ومنها مثلاً إقدامه في أيلول/سبتمبر 2018 على إقفال مركز تكوين العلماء بإدارة الإمام الددو، على خلفية اتهامه بترويج التطرّف: فقد قال ولد عبد العزيز، في خطاب ألقاه أمام استعراض عسكري، إنه من الضروري الحفاظ على إسلام "صحيح" في مواجهة التشويهات من قبل الإخوان المسلمين. من شأن الاستمرار في إغلاق المساحة السياسية أمام الإسلاميين وزَجّ أئمة مرموقين على غرار الددو في السجن مستقبلاً أن يُلهم كادراً جديداً من المقاتلين الموريتانيين، بما يؤدّي إلى تكرار دورةٍ من دورات الماضي.
يشي كل ماتقدّم بأن شبح الجهادية العنفية لم يتبدّد. مما لاشك فيه أن موريتانيا ليست قاعدة لتنظيم الدولة الإسلامية، على الرغم من التكهنات التحذيرية في هذا الصدد. كما أن نسبة الشباب الموريتانيين الذين يلتحقون بالجماعات الجهادية في الخارج تراجعت في الأعوام الماضية. غير أن الأطراف الجهادية تستمر في استغلال وسائل الإعلام غير الخاضعة للتنظيمات، وتستخدم أراضي البلاد بمثابة ممرّ وقاعدة لوجستية. لايزال صعود تنظيم القاعدة مجدداً في مالي وبوركينا فاسو تهديداً قائماً بقوة، على ضوء البيان الصادر عن التنظيم في مايو 2018 والذي حضّ فيه على شن هجمات ضد الأجانب في الساحل. كما أننا نشهد تبدّلاً في موقف موريتانيا التي أبدت لفترة طويلة تحفّظاً في شن عمليات عسكرية طويلة الأمد خارج أراضيها، وهو ماساهم ربما في جعلها بمنأى عن الهجمات الجهادية. ويتمثّل هذا التبدّل على وجه التحديد في إقدامها مؤخراً على تعزيز حضورها الإقليمي في مجموعة دول الساحل الخمس – وهي عبارة عن ائتلاف إقليمي معني بشؤون الأمن ومكافحة الإرهاب ومؤلَّف من خمسة بلدان ساحلية يواجه صعوبات في التنظيم وتأمين الموارد. وبالتوازي مع العمليات المستقبلية عبر الحدود، من شأن هذا الدور المتنامي أن يمنح الجهاديين الذين تنصبّ جهودهم على موريتانيا، اندفاعة ترويجية جديدة.
لكن في الوقت الراهن، لايزال من غير الواضح ماإذا كان المقاتلون سيتحرّكون في موريتانيا وكيف سيكون تحرّكهم. مايبدو مؤكّداً هو أن انحسار العنف في مرحلة مابعد العام 2011 قد لايدوم إلى مالانهاية.

شارك