كورونا وتطرف الإسلام السياسي

الخميس 02/أبريل/2020 - 03:14 ص
طباعة
 
يقوم بعض السلفيين المتزمتين بنشر مقولات على مواقع التواصل الاجتماعي ، فيها تشفي ببعض الأشخاص المصابين بالكورونا ، ولا تخلو هذه المقولات من الشتائم لبعض المخالفين لهؤلاء المتزمتين بالعقيدة ، كما يقوم بعض الإسلاميين المتطرفين بالدعاء لأنفسهم وذويهم وللمسلمين فقط؛ للتخلص من هذا المرض ، متمنين الهلاك لغيرهم ، مصرين على الاستشهاد بنصوص دينية - قد تكون غير صحيحة - لشرعنة مواقفهم الطائفية.
فعلى سبيل المثال ، لقد أثار ياسر برهامي نائب رئيس الدعوة السلفية جدلا ، بعد أن اعتبر إنتشار فيروس كورونا في الصين إنما هو عقوبة إلهية لما فعلته الصين في المسلمين ، حيث قال : إن الأوبئة هي عقوبة من الله للأمم السابقة ، وقد يصاب بها المسلمون وهي لهم رحمة وتكفير للذنوب والسيئات . مسشهدا بحديث لعائشة ، حيث سألت النبي " ص" عن الطاعون فاخبرها : ( أنه كان عذابا يبعثه الله على من يشاء ، فيجعله رحمة للمؤمنين ، فليس من رجل يقع الطاعون فيمكث في بيته صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر الشهيد ) ." أخرجه البخاري والنسائي وأحمد " .
فلماذا يؤول هذا الحديث - إن صح - على أنه عقوبة للكافرين ؟ !! .
علما أن الإسلام في حقيقته لا يصف الناس بأنهم يستحقون الأوبئة جزاء أمور عقائدية لأن ديننا هو دين الرحمة والإخاء الإنساني .
إن القراءة المقاصدية لهذا الحديث تعني أن فيروس كورونا يعتبر من الأوبئة الفتاكة كالطاعون ، وقد ألزم هذا الحديث الناس المكوث في بيوتهم ، وقرر الحجر الصحي العام عليهم . ولهذا الحديث نظائر تؤكد على الحجر كقول النبي " ص" : ( ألا صلوا في رحالكم ) ، وفي رواية أخرى( في بيوتكم ) ، أي لا مجال للخروج إلى الطرقات زمن الأوبئة ، ففيه تهور وإثم .
وهناك حديث آخر يطالب بالحجر الصحي والابتعاد عن الأوبئة : ( إذا كان الطاعون بأرض فلا تهبطوا عليه ، وإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تفروا منه ) " أخرجه أحمد في المسند " .
فلو صحت هذه الأحاديث فإن التطرف في تفسيرها وتأويلها هو جريمة لا تغتفر ، وإن ما يثار على وسائل التواصل الاجتماعي ، يعتبر مواقف لا إنسانية منحطة أخلاقيا ، لا يمكن أن تصدر إلا عن نفوس مريضة ، قد أصابها التعصب واعمتها الطائفية والحقد الأعمى.
فبدلا من التضامن والتآزر والوحدة الوطنية أمام هذه المحنة وهذا الوباء الذي يعتبر تهديدا للجميع ؛ يكشف الإسلام السياسي عن وجهه الحقيقي المتعصب ونرجسيته وطائفية وحقده ، وهذا يعبر عن مقدار الاستهتار بالمعنى الحقيقي للإسلام ، ونزعه من رحمته وقدسيته وانسانية .
إن هؤلاء الحاقدين وأمثالهم يجب أن يتوقفوا عن التشدق بقيم الأخلاق والمبادئ الإسلامية - البعيدين عنها - ليكونوا منسجمين مع أنفسهم ومع عقولهم المريضة.
لقد علمنا هذا الوباء أن التيار السلفي المتزمت المتقوقع على ذاته لا مصداقية لديه في التعامل مع الآخر ، مفتقدا لانسانيته التي نادي بها الإسلام.
كل التمنيات بالشفاء والصحة والسلامة لكل شعوب الأرض ، بغض النظر عن معتقداتهم وأفكارهم وأعراقهم وأصولهم.

شارك