العوامل النفسية والاجتماعية المعززة للتطرف لدى الشباب

الثلاثاء 09/يونيو/2020 - 10:21 ص
طباعة حسام الحداد
 
الباحثان الأكاديميان في علم النفس في جامعة نيس صوفيا أنتيبوليس بفرنسا، كريستين بونارد (Christine Bonardi) وبيار منوني (Pierre Mannoni) في دراستهما ضمن أبحاث كتاب المسبار “علم نفس الإرهاب: الأفراد والجماعات الإرهابية”، حيث يتناول الكتاب العديد من القضايا المهمة التي تسمح لنا بفهم ظاهرة الإرهاب بأدوات التحليل النفسي، لا سيما في المنطقة العربية. شارك في الكتاب باحثون متخصصون سعوا إلى تقديم تحليلات نفسية في دراسة الظاهرة الإرهابية بكل تشعباتها وتعقيداتها. حاولت الدراسات تغطية “سيكولوجيا الإرهاب” عبر درس مجموعة من المحاور الرئيسة: “سيكولوجية الجماعة الإرهابية ودوافع الأفراد للانضمام إليها”؛ “سيكولوجية الإرهاب: نظرية الإحباط – العدوانية والغضب النرجسي”؛ “الانتحاريون و”الذئاب المتوحدة” أَهُم شخصيات سيكوباتية؟”؛ “العوامل النفسية والاجتماعية المعززة للتطرف لدى الشباب”؛ “السمات الشخصية التقريبية للإرهابي”؛ “إرهاب الجماعات المسلحة من منظور التحليل النفسي”؛ “عقل الإرهابي: مراجعة المناهج السيكولوجية ونقدها”؛ و”الإدارة النفسية لمحاربة الإرهاب: تدابير التحليل التبادلي”.
يؤكدان: أن نمو الشباب في الأوقات الطبيعية يولد لديهم حاجات نفسية واجتماعية قهرية إلزامية. عادة ما تكون المجتمعات قادرة على منحهم ما يستطيعون به إشباع حاجاتهم. ولكن، حين تواجه هذه المجتمعات بدورها أزمات ترتبط بشكل خاص بنمو الحداثة، كما هو الحال في أيامنا في المجتمعات الغربية، فليس من المستغرب أن يقوم بعض الشبان بالالتزام بأفكار وبأفعال يشكل الإرهاب مثلها الأكثر تطرفاً. تشكل هذه الظاهرة مسألة ستكون موضع بحثنا هنا، مستخدمين لذلك طريقة لم توضح كما يجب: أي استخدام تحليل العلاقات بين الحوافز المميزة للعمر التطوري (l’âge évolutif)، والجهود التي يبذلها المجتمع، والرامية لإشباع هذه الحوافز. يندرج هذا التفكُّر في إطار برنامج بحث ما زال في طور الإعداد، وهو يتعلق بالأفكار والسلوكيات التي تبلغ حداً من التطرف.
يعتبر تشكل الهوية، في المراهقة، بما لها من متطلبات داخلية وخارجية تتميز بها، أحد أهم الرهانات، فالهوية ليست معطى بيولوجياً، بل هي موضوع بناءٍ شاق يمكن للشاب أن ينجح فيه ويمكن أن لا ينجح. وخلال هذه المرحلة الدقيقة يمكن أن يكون المرء عرضة لخيارات شخصية خطيرة غالباً ما تترابط مع عناصر ظرفية وسياقية، وفي حالة الإرهاب تكون وسائل الإعلام بشكل خاص هي من يتدخل باعتبارها من العوامل المسرِّعة. إلا أن متطلبات الدمج الاجتماعي تمارس بدورها على الشباب ضغطاً يستشعر المرء بعنفه، وهي تخلق اضطراباً عميقاً وخيبة أمل تجاه ما يقدمه المجتمع. وفيما يتعلق بالبناء الهوياتي، فثمة هوة تتشكل حينئذٍ بين تخلف النماذج الثقافية الغربية، وما تقدمه أجهزة الإعلام حول الإرهاب باعتباره حقل معركة بطولية. في هذه المرحلة العمرية تُعاش التجارب العاطفية والانفعالية، بل والمعرفية بكثير من الحدة والكثافة، كما يُصار إلى حملها إلى الحدود القصوى من خلال ما هو غريزي. يعتبر الفعل في هذه اللحظة بمثابة إحدى الحالات المميزة، ويسارع الشاب بالطبع أكثر فأكثر للعنف. إذ يشعر بأن العالم الذي يعيش وسطه عالم عنيف تجاهه (هذا دون أن يكون العالم بالتأكيد كذلك إذ يتعلق الأمر بمعيش ذاتي). والطاقة النفسية والأوهام التي تتحرك في هذه المرحلة، ستجد لنفسها مهرباً ممتازاً إذ ستصادف قوة الدعاية والعمل الإرهابي: والشاب لا يستثمر، بل ويبالغ في استثمار هذا الموضوع، إلا لأنه يستجيب لتطلع ما. كما يدفع التحفيز للبحث مجدداً عن تجارب محرضة، على درجة معينة من الخطورة، وهي تندرج أحياناً في رفض الممنوعات الاجتماعية (رياضات خطرة، أعمال محرمة، سلوكيات خطيرة). إن البحث عن المغامرات وعما هو جديد، يعطي الفتى شعوراً بالوجود من خلال اكتشاف الذات ورباطة الجأش، بدءاً من السيطرة على جسده الخاص. إن هذا الاستعداد النفسي عينه هو ما نجده عند المراهق المستعد لتقبل فكرة الانتحار، والذي بإمكانه أن يعزز تقبل أن يكون مرشحَ شهيدِ فتنةِ الموت، وبذلك يكتسب الانتحار قيمة تحكم إلهي دون أن تكون الرغبة بالموت حاضرة في الذهن بوضوح أو في الخطاب. ثم إن تكوين الذات الشخصية والاجتماعية حول التزام إرهابي، إنما يشكل بالفعل وهباً مطلقاً لهذه الذات، بحيث لا يمكن للإجراءات التي تتخذها السلطات العامة، أن تؤثر بهذه السمة النهائية والبالغة حدها الأخير. ناهيك عن اتسام هذا الالتزام -غالب الأحيان- بخرق تابو على جانب كبير من الأهمية، تابو الموت: القتل و/ أو ترك قتل الذات باعتبار ذلك وسيلة لبلوغ المطلق الإنساني.

شارك