دراسة تكشف أزمة الاختفاء القسري في العراق

الأحد 20/ديسمبر/2020 - 09:52 م
طباعة روبير الفارس
 
كشفت دراسة حديثة بعنوان " الاختفاء القسري في العراق ...بين الالتزام الدولي والاخفاق الحكومي " عن خطورة عمليات الاختفاء القسري في العراق وضرورة قيام الحكومة العراقية بإجراءاتها الميدانية وذكرت الدراسة أن عدد المغيبين  وصل ما بين ( 12-15) ألف شخص في محافظة نينوى و(6) آلاف في محافظة الأنبار و(4) ألاف في محافظة صلاح الدين وهي ارقام تكشف حجم المأساة وجاء في الدراسة التي كتبها الباحث
إياد العنَّاز
الباحث في مركز الأمّة للدراسات والتطوير

تتصاعد الأصوات الحرة والأقلام الصادقة والهيئات والمنظمات الانسانية للمطالبة بإيجاد حلول جذرية واتباع أساليب منهجية في الوصول الى نتائج ايجابية للأزمة الاجتماعية التي تحيط بالمجتمع العراقي والعوائل المتضررة من غياب أبنائها في موضوع مهم يتعلق ب( التغيب القسري) وكما جاء في تقرير منظمة هيومن رايتس بتاريخ 16 ديسمبر 2020، هذه الأزمة الإنسانية لا تزال محل بحث ومتابعة حثيثة كونها تشكل نقطة أساسية وحيوية وتمثل حالة إنسانية تحدد مسارات الحياة الحرة الكريمة للمواطن العراقي في الاهتمام بحقوقه المدنية والدفاع عن وجوده الأدمي، فعمليات التغييب القسري طالت العديد من أبناء المحافظات والمدن العراقية عبر العديد من أوجه المواجهات والأدوات التي اتبعت من قبل المليشيات الولائية والعصابات المسلحة المدعومة من بعض الأحزاب والكتل السياسية ضمن مشروع سياسي يسعى إلى تغيير ديمغرافي للمدن العراقية وخاصة في محافظات ( الأنبار -صلاح الدين -نينوى-ديالى) وحزام مدينة بغداد، هذه الأماكن عانت كثيرا من الأساليب الدموية والمتابعات الأمنية والتصفيات الجسدية لأبنائها وأصبحت تئن تحت وطأة غيابهم وعدم معرفة مصيرهم والقسم الأكبر منهم أختطف أمام عوائلهم إما بعمليات مواجهة أو اقتحام لمنازلهم أو استخدام السطوة والنفوذ السياسي في عمليات الاعتقال الميداني التي تجري في هذه المحافظات وتستبيح فيها الدم العراقي وتهين الكرامة البشرية وتستعدي الروح الإنسانية .
هذه الصورة المأساوية والأزمة الاجتماعية تستعيد أهميتها دائما كونها تهم المجتمع الدولي والمنظمات الانسانية وبسبب عدم قيام الحكومات العراقية المتعاقبة بعد الاحتلال الأمريكي بواجباتها لإيجاد حلول جذرية تواجه فيها هذه الأزمة الاجتماعية وتعمل على إنفاذ قراراتها والتي تدعيها عبر وسائل الإعلام والصحف والقنوات الفضائية ولكنها ميدانيا لا تزال بطيئة الحركة بل مشلولة الإرادة في مواجهة عناصر المليشيات المسلحة وقياداتها التي تعمل على توسيع دائرة التغيب القسري للمواطنين العراقيين الأحرار وإشاعة حالة الخوف والذعر بين الأوساط الاجتماعية والقوى المدنية لأبناء هذه المناطق وصولا إلى تحقيق الأهداف والتوجهات الميدانية للمشروع السياسي الذي تتبناه المليشيات بتوسيع دائرة وجودها ونفوذها وسيطرتها على مقدرات وامكانيات المناطق المسيطر عليها من قبلهم. وقالت الدراسة إن 
الهدف الرئيسي للمليشيات المسلحة المرتبطة بأجهزة النظام الإيراني والحرس الثوري أن تكون أداة طيعة لتنفيذ المشروع السياسي الإيراني الاستيطاني في العراق والقيام بالعديد من الفعاليات والهجمات التخريبية وعمليات التغيب القسري تجاه أبناء شعبنا في محافظات ( الأنبار وصلاح الدين ونينوى وديالى ) لتحقيق أغراضها في إكمال سياسة التهجير الديمغرافي والتعسف القسري وإخلاء الأماكن من أهلها الأصليين وسيطرة المليشيات على أوضاع هذه المحافظات واستمرار سياسة الهيمنة والنفوذ والتحكم بالموارد الاقتصادية وتحقيق المنافع المادية عبر العديد من المكاتب الاقتصادية التابعة لهذه المليشيات.
تبقى قضية الاختفاء القسري من الأمور الحيوية التي تحظى باهتمام دولي وإنساني عبر نشاطات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان التي تتابع بدقة الأوضاع الميدانية القائمة في العراق بعد الاحتلال الأمريكي والنفوذ والهيمنة الإيرانية ووجود المليشيات المسلحة التي تمتلك العديد من الإمكانيات المادية والتسليحية مما يساعدها على تنفيذ سياسة التغيب القسري واعتقال الناشطين السياسيين والإعلامين الأحرار والشباب المنتفض والأصوات الداعية للتغيير واستمرار عمليات المتابعة لهم واعتقالهم في سجون خاصة لا تتمكن حكومة بغداد من متابعتهم والوصول إليهم أو اتخاذ أي اجراءات لعودتهم والضرب بقوة على الأدوات المنفذة لهذه العمليات.
البيانات الأخيرة لمنظمة (هيومن رايتس ووتش) طالبت الحكومة العراقية بضرورة الاهتمام بمتابعة قضايا المغيبين قسريا وإعداد قوائم بأسمائهم والاتصال بذويهم وعوائلهم وفق قواعد القانون الدولي والقوانين والاتفاقيات الخاصة بالاختفاء القسري حيث يعرف التغيب أنه (توقيف شخص ما على يد مسؤولين في الدولة أو وكلائها أو على يد أشخاص أو مجموعات تعمل بإذن من السلطات أو دعمها أو قبولها غير المعلن وعدم الاعتراف بالتوقيف أو الإفصاح عن مكان الشخص أو حالته ).
أمام هذا التعريف القانوني والتوجه الإنساني هل تمكنت حكومة بغداد من الإيفاء بوعودها تجاه حالات الاختفاء القسري أم أن المؤسسات والأجهزة الرسمية التابعة لها لا تزال تستخدم سياسة التغاضي عن هذه الأفعال وعدم المبالاة في البحث عن الجناة الحقيقين وأخذ جميع التدابير والخطوات الكفيلة بكشف طبيعة هذه الأعمال العدوانية التي تتنافى والقيم والأعراف الدينية والقوانين المرعية ومتابعة الجناة والكشف عنهم.
وقال الباحث اياد في دراسته
إن عدم المتابعة هو من شجع الجماعات المسلحة على الاستمرار بنهجهم وإعمال سطوتهم في وقت تلاشى الدور الحكومي للسلطة الحاكمة في بغداد بعدم قدرتها على تسمية الفاعلين رغم معرفتها بهم.
استمرار المنظمات الإنسانية بتأكيدها المتواصل على حسم وإيقاف عمليات الاختفاء القسري في العراق وضرورة قيام الحكومة العراقية بإجراءاتها الميدانية يتأتى من عدد المغيبين الذ ي وصل ما بين ( 12-15) ألف شخص في محافظة نينوى و(6) آلاف في محافظة الأنبار و(4) ألاف في محافظة صلاح الدين وحسب الإحصائيات والمعلومات التي أكدها المرصد العراقي لحقوق الإنسان.
أمام هذه الأعداد الكبيرة والمأساة الإنسانية طالبت مرة أخرى (منظمة هيومن رايتس) بتشكيل لجنة تفتيش مستقلة للتحقيق في الاختفاء القسري في سجون الحكومة أو مراكز الاحتجاز بمواقع أخرى تابعة للمليشيات المسلحة ولأحزاب سياسية متنفذة بعد عدة احتجاجات قدمتها عوائل المغيبين مطالبين الحكومة بضرورة إكمال الإجراءات الخاصة بالتحري عن أبنائهم المحجوزين لدى الجهات الحكومية أو المختطفين من جهات أخرى وتقديم الأجوبة لدى الشافية لهم وإعلامهم حقيقة وجودهم أو إعلان وفاتهم. وقال اياد 
تبقى قضية الاختفاء القسري من أهم القضايا التي تهم المجتمع كونها تتعلق بحياة المواطنين ووجودهم وعندما يسعى الآخرون إلى جعلها قضية سياسية وتوجهها بما خدم مصالحهم ومنافعهم الحزبية فنكون أمام فقدان مفاهيم العدالة الاجتماعية وغياب لحقوق الانسان واستمرار إراقة الدم العراق الطاهر واسكات صوت الشعب الثائر، وهنا تقف الحكومة عاجزة عن التزاماتها بجميع البنود الواردة في الاتفاقية الدولية الخاصة بالمغيبين والتي وقعت عليها عام 2010 ولم تسعَ إلى إصدار العديد من التشريعات والقوانين الداعمة لعمل وفعالية الاتفاقية وتشكيل اللجان التحقيقية والبحث عن الجناة الميدانين والمسؤولين عن ارتكاب هذه الجرائم الإنسانية ولم يتم ملاحقة الفاعلين أو محاسبتهم وإيقاع العقوبات القانونية بحقهم.

شارك