"الفيصل " السعودية تحث علي" مدح التسامح "

الإثنين 08/مارس/2021 - 02:24 م
طباعة روبير الفارس
 
  خصصت مجلة الفيصل السعودية ملفها بعددها الاخير تحت عنوان في مديح التسامح . واكدت المجلة ان التسامح، ليس كلمة يمكن النطق بها؛ «صفحت عنك»، أو «سامحتك»، فينتهي كل شيء. ربما ليس من حق الضعيف أن يتسامح أو يصفح عمن مارس عليه بطشًا أو إقصاءً، حتى لو فعل ذلك فقد يأخذ صنيعه أي مسمًّى، عدا أن يكون تسامُحًا. كما أن القويَّ حين يتسامح أو يصفح، لن يأخذ فعله التأثير اللازم، سوى حين يكون الطرف الآخر يُماثله في القوة أو في حدة التناقض أو الاختلاف.وبعيدًا أو قريبًا من ذلك، التسامح ليس موقفًا من التنوع والاختلاف والتعددية، كما يقول الكاتب عبدالله المطيري، بل هو موقف من الآخر المذنب، الآخر المعتدي، الآخر الذي اجتاح الذات تحديدًا. لا نسامح إذا لم يكن هناك ألم ومعنى ودلالة. لا نسامح إلا من أحدث في حياتنا أثرًا. من ناحية، أمسى التسامح ضمن السياق العربي الراهن، بحسب عز الدين عناية، مطلبًا حاجيًّا للحفاظ على الأوطان. في حين غدا التسامح ضمن السياق العالمي يعني مراعاة التعددية بمدلولاتها الدينية والثقافية والأنثروبولوجية، والحدّ من غلواء المركزية والاحتكار الواقعين في الفضاء الاجتماعي من جانب قوى متحكمة، تسعى لتكريس الهيمنة الدائمة.
وفي سياق متصل، تتساءل  الكاتبة التونسية ناجية الوريمي في مقالها عن  كيف يمكن أن نبعث في الوعي العربي فكرة التمييز بين التسامح الفعليّ والبنّاء بين المواطنين، والتسامح الشكليّ السائد، الذي لا يعدو أن يكون «تعايشًا في نطاق اللاتسامح»؟ 
وتقول ناجية لا يزال الفكر العربيّ -رغم ترسانة المناهج والرؤى الحديثة التي يصدر عنها- متعثّرًا في تحويل قيم التسامح والعيش المشترك إلى وعيٍ مُواطَنيٍّ راسخ يترجم عنه سلوك اجتماعيّ مُعَمَّم واختيارٌ سياسيّ ثابت. ذلك أنّه فكرٌ يعتني بالإشكاليّات التي تعكس أطروحات أيديولوجيّة، أكثر من اهتمامه بتلك التي تضرب بأسباب في شروط الاجتماع الإنساني العادل والمترجم لمنظومة القيم الكونيّة، وأهمّها إشكاليّة العلاقة بين الذوات الاجتماعيّة والمعايير المحدّدة لها في نطاق الدولة الحديثة.
ولا يدّعي هذا المقال أنّه سيلمّ بهذه الإشكاليّة، ولا يعد أيضًا بفتح جديد السبل في مقاربتها، بل قصارى الجهد أن يثير من القضايا ما يمكن أن يساعد على الوعي بقيمة تغيير زاوية النظر إليها. هو تغيير ننقل بموجبه التعامل مع مفهوم أساسيّ فيها وهو مفهوم التسامح، من الدلالة الأخلاقيّة التي ظلّت محاصرة له في مجال التداول، إلى الدلالة المدنيّة التي يغدو بموجبها شرطًا من شروط المواطنة في الدولة الحديثة. والدافع إلى ضرورة هذا التغيير أمران: الأوّل هو الالتزام بالمكتسبات الفكريّة والسياسيّة التي حققّها المفهوم في الثقافة العالميّة، والثاني هو واقع المجتمعات العربيّة التي تعيش –منذ مطلع هذه الألفيّة- تحوّلات مربكة عمّقت مشاكلها في إدارة التنوّع والاختلاف.

وتؤكد ناجية ان الصراع المذهبي والعقديّ ما زال يعوق مسارها التنمويّ، وخطابات العنف والكراهية الباعثة على كسر وحدة المجتمع والحاملة لأفكار متعصّبة ما فتئت تتنامى موجدة لها متقبّلين داخل الجماعات والطوائف. وفي المستوى الخارجي ما فتئت خطابات «الإسلاموفوبيا» التي تقرن بين المسلمين ورفض الآخر المختلف، وتَصِم الثقافة العربيّة الإسلاميّة بعدم القدرة على استيعاب قيم التسامح فضلًا عن إنتاجها، تحرج المسلمين وتوقعهم أحيانًا في ردود أفعال متشنّجة.
صحيح أنّ أسباب هذا التعثّر متعدّدة، وتُراوِح بين الفشل السياسيّ في توفير أرضيّة العدالة اللازمة لتكريس علاقات التسامح وثقافته، وضعف الحسّ النقديّ في ثقافة التداول الموروثة في جانب مهمّ منها عن عصور ماضية، وضعف الجرأة الفكريّة في تفكيك الآليّات المنتجة للتعصّب ورفض التعدّد، لكنّنا في هذا المقال لا يمكن أن نقف عندها في مختلف خصوصيّاتها، بل سنقف عند إشكاليّة تضرب بأسباب في كلّ منها، وهي إشكاليّة العلاقة بين «التسامح» و«المواطنة» في الدولة العربيّة الحديثة.
والهدف هو الكشف عن الفارق النوعيّ بين أن يتواصل عدّ التسامح مجرّد مزيّة أخلاقيّة يتكرّم بها المرء على المخالف له بالاعتراف (والمزيّة في «لسان العرب» هي الفضل، يقال: لفلان على فلان مزيّة، أي فضل وإحسان)؛ وأن يُعَدَّ واجبًا مُواطنيًّا يفرض على كلّ المواطنين احترام بعضهم بعضًا في نطاق التساوي في الحقوق والواجبات، ومن دون أن يكون لانتماءاتهم العقدية أو المذهبية أو العرقيّة أو غيرها، تأثيرٌ سلبيّ أو إيجابيّ في تحديد مكانتهم.
وغير خافٍ أنّ المعنى الأوّل هو السائد، والثاني هو الذي يجب أن يسود، حرصًا على تجاوز سبب من أسباب الانسداد التاريخي. واخترنا لذلك مدخلين: الأوّل اصطلاحي- مفهوميّ، ندرس فيه كلمة التسامح العربيّة ومدى توافقها مع الدلالات الحديثة للمفهوم، والثاني فكري-سياسيّ نبحث فيه التسامح بما هو شرط من شروط المواطنة، ثمّ نشفعهما ببعض التساؤلات التي قد يكون لها رجع صدى..
وحول مصطلح «التسامح» في سياق الثقافة العربيّة كتبت ناجية تقول 
لئن كانت كلمة «تسامح» عربيّة، فإنّ مدلولها الاصطلاحي ينهل من الفكر الأوربيّ الحديث الذي بلور ما استقرّ عليه المفهوم اليوم من اختزال لقيم حقوق الإنسان الكونيّة وشروط الانتظام العادل للمجتمع. وهو غير المفهوم الذي انطلق به المصطلح في نشأته اللاتينيّة مع مصطلح Tolerantia: فقد نشأ دالًّا على التحمّل على مضض لأمر لا نستسيغه أو لا نوافق عليه، وبخاصّة في مستوى العقائد. وهو تحمّل يسمح بهامش من المنّ على الآخر المختلف في عقيدته باعتراف منقوص، مع التعالي عليه بحكم «خطأ» عقيدته.

وللقطع مع هذا التراث الدلاليّ السلبيّ، نشأ اتّجاه في الفكر الأوربي اليوم يدعو إلى إلغاء هذا المصطلح وتعويضه بمصطلحات أخرى من قبيل الاعتراف Reconnaissance أو الاحترام، Respect، وذلك في الثقافة الأنجلوسكسونيّة خاصّة. وواضح أنّ هذه الدعوة تصدر عن حرص على إقصاء دلالات قديمة قد تمسّ بما استقرّ عليه المفهوم في علاقته بمنظومة القيم الكونيّة.
وسيرًا على خطى هذا التيّار، بادر مفكّرون عرب بالدعوة إلى التخلّي عن كلمة «تسامح» العربيّة، وتعويضها أيضًا بـ«الاعتراف أو الاحترام» (انظر على سبيل المثال: علي حرب، الإنسان الأدنى: أمراض الدين وأعطال الحداثة، بيروت، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، 2010م). لكنّنا نرى أنّها دعوة غير ذات معنى في السياق العربيّ؛ لأنّ الكلمة تمحّضت حديثًا للدلالة على المفهوم الأخير المشار إليه، ولا تعاني –في السياق العربي- من إرث معجميّ يجعلها في نشاز عنه.
وربّما على العكس من ذلك، يُعدّ هذا الإرث روافد داعمة له: فعندما نعود إلى الجذر «سمح» في «لسان العرب» (لابن منظور)، تطالعنا ثلاث دلالات بارزة: «الجود»، و«التساهل»، و«الاستقامة»: فالجود –وهو الدلالة الغالبة- يظهر فيما يلي: «السماح والسماحة: الجود»، «سمح وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء»، وسمح لي فلان أي أعطاني.. ووافقني على المطلوب».

ومعلوم أنّ الكرم والجود قيمة بارزة في منظومة القيم العربيّة، وهي تعكس -من منظور التحليل الأنثروبولوجي، عند مارسيل موس مثلًا– حرصًا على الترابط المعنويّ داخل المجتمع بطريقة تتجاوز منطق المنفعة المادّيّة الخاصّة أو الفئويّة. الدلالة الثانية التي تطالعنا هي «التساهل»، وتتجلّى في ما يلي: «والمسامحة المساهلة. وتسامحوا تساهلوا، وفي الأثر المشهور: السماح رباح أي المساهلة في الأشياء تربح صاحبها»، و«سمح له بحاجته وأسمح أي سهّل له».
وقيل: «اسمح يُسمح لك، أي سهّل يسهّل لك وعليك». «وقولهم: الحنفيّة السمحة، ليس فيها ضيق ولا شدّة». «وتقول العرب: عليك بالحقّ فإنّ فيه لمَسمَحًا، أي متّسعًا». وتتجانس هذه الدلالة مع هدف من أهداف التسامح الحديث وهو تجنّب التضييق والتشدّد المتسبّبيْنِ في التوتّر الاجتماعي. وتأتي الدلالة الثالثة وهي «الاستقامة» لتؤكّد عدم نشاز الكلمة عن المفهوم الحديث: «يُقال: عود سمح بيّن السماحة والسموحة، لا عُقدة فيه. وتسميح الرمح: تثقيفه». ومعلوم أنّ معنى التثقيفِ –بمعنى تقويم الاعوجاج- عن طريق التربية، شرطٌ من شروط تعويد المرء على أخلاق التعايش مع الآخر المختلف؛ لأنّ قيمة التسامح ليست معطى تلقائيًّا أو طبيعيًّا، بل هي موقف وسلوك يكتسبان باستمرار.
ولسنا نقصد بهذه العودة إلى الحقل المعجمي إلى إثبات أنّ كلمة «تسامح» في اللغة العربيّة القديمة حوت المفهوم الحديث أو ما يقرب منه، فهي بعيدة من ذلك؛ بل نريد أن ننبّه إلى أنّ ما يميّز حقلها المعجمي لا يمثّل نشازًا دلاليًّا يدفعنا إلى ذات الاحتراز الذي سجّله بعض المفكّرين الأوربيّين على كلمة Tolérance في أصولها اللاتينيّة.
حقول اخري
وتقول ناجية لا تكمن مشكلة «التسامح» في الثقافة العربيّة في مستوى الحقل المعجمي للمصطلح، بل تكمن في حقول أخرى تهمّ معايير الانتظام الاجتماعي والتعامل مع المختلفين في العقيدة أو المذهب أو غيرهما، وتعكسها مصطلحاتٌ من قبيل «أهل البدع»، و«أهل الذمّة»، و«الكفّار»، و«دار الحرب».. وهي المصطلحات التي تأسّس عليها خطاب فقهيّ وسياسيّ سائد، تمكّن من ترسيخ دلالات الإعلاء للذات ومقوّماتها، في مقابل العداء للآخر المختلف واعتبار خصوصيّاته انحرافًا عن الوضع الطبيعيّ وعن الحقّ.
وليس هذا الوعي الصدامي بالآخر، خاصًّا بالثقافة العربيّة الإسلاميّة القديمة بل هو من مشتركات كلّ الثقافات التقليديّة. لكن، وفي العصر الحديث، قامت ثقافات –ومن بينها الثقافة الأوربيّة- بنقد إرثها المتعصّب وتشريحه وتجاوزه، محدثةً بذلك نقلة نوعيّة في معايير الانتظام الاجتماعي؛ وتجاهلت ثقافات أخرى -ومن بينها الثقافة العربيّة- قيمة هذا النقد والتشريح، فظلّت تعاني مظاهرَ النشاز بين منظومة قيميّة تؤبّد منطق الصدام مع الآخر، ومنظومة كونيّة أقرّت التسامح أرضيّةً وسقفًا للتعامل بين الإنسان والإنسان. وكان من نتائج هذا التجاهل، استمرار عوائق التحديث الاجتماعي والسياسي الضروريّ لبناء نهضة ثابتة الأساس.
وتحت عنوان التسامح شرطًا من شروط المواطنة كتبت تقول 
نقلت الحداثة ظاهرة التعدّد الثقافيّ من مستوى المشكل الذي تُحِلّه الأغلبيّة السائدة عن طريق فرض قيمها، إلى مستوى «العقلنة» التي تحوّل التعدّد إلى إطار ضروريّ للعيش المشترك اجتماعيّا، وتجعله شرطًا من شروط الوعي بالذات وبهويّتها، فلسفيًّا. على هذا الأساس انتقل الوعي بـ«الآخر» من عدِّه خطرًا يهدّد «الأنا»، إلى عدِّه شرطًا لوعيها بوجودها في خصوصيّاته، وانتقلت العلاقة بين الطرفين من النفور إلى الانسجام والتكامل. ومن أكثر الأمور دلالة على هذا التصوّر، ما عنون به أحد فلاسفة التسامح كتابًا مؤسّسًا في مفاهيم «الهويّة» و«الإنّيّة» و«الغيريّة»، وهو عنوان: «الذات عينها، كآخر» (Paul Ricœur, Soi-même comme un autre, Paris, Editions du Seuil, 1990. ).
وهكذا تجاوز مبدأ التسامح معنى القيمة الأخلاقيّة التي تزين الفرد إن هو اختار أن يتحلّى بها التي يمُنّ بموجبها على «غيره» باعتراف مشوب بالوصم، ليستقرّ في معنى جديد، معنى الواجب الذي يفرض على كلّ إنسان أن يحترم الآخر، من حيث حقّ هذا «الآخر» فيما يضمنه وضع المواطنة من حريّة ومساواة وعدالة. والإطار الذي يلتقي فيه الجميع هو الدولة الحديثة وما تنبني عليه من فصل بين الشأن العامّ الذي يشترك فيه جميع المواطنين، والشأن الخاصّ الذي تمثّل الحريّات الشخصيّة جزءًا منه.

فقد تأسست الدولة الحديثة على جملة من المفاهيم الاجتماعيّة والسياسيّة. وفي مقدّمتها مفهوم الفرد وتحمّله مسؤوليّته وصنع مصيره، بعيدًا من الذوبان في المجموعة والاحتماء بها. إنّه فردٌ حرّ يمتلك القدرة على التحكّم في نفسه، وعلى تحديد اختياراته وتحديد علاقاته مع الآخرين. وعلى هذا الأساس غدا هذا المفهوم شرطًا لازمًا لتبلور مفهوم المواطنة. فالفرد «المواطن»، هو ذاك الذي يعيش في نطاق دولة معينة، وينتمي إليها انتماءً مقدَّمًا على أيّ انتماء آخر عَقَديّ أو مذهبيّ أو عرقيّ أو غيره…، وهو مطالب بأن يلتزم بقوانينها، ومتمتّع بحمايتها في ممارسة قناعاته وميولاته وطقوسه وغيرها…

شارك