اليمين المتطرف العالمي الجديد.. أسس العقيدة الإقصائية وتسويقها

الخميس 25/مارس/2021 - 04:36 م
طباعة حسام الحداد
 
يناقش كتاب "نزعة الكراهية في الوطن - اليمين المتطرف العالمي الجديد" نشأة اليمين المتطرف، وتتبُّع خطابات جماعات اليمين المتطرف العنيفة، وفلسفتها في التضليل والتسويغ لنظريات المؤامرة، والطرق التي تعتمد عليها لاستقطاب الشباب، وكيفية استهداف المهمَّشين منهم الذين يسهُل إقناعهم بمشروعية الجماعة. مع الاهتمام بالتطرف اليميني في الولايات المتحدة الأمريكية في العِقد الأخير، والإشارة إلى أحداث عالمية مرتبطة بصعود اليمين المتطرف. ويتناول الكتاب وسائلَ تجنيد القوميين اليمينيين المتطرفين في مختلِف الأوساط والفضاءات؛ كالمدارس والجامعات، والأماكن العامة في المقاهي والنوادي الرياضية وملاعب كرة القدم، ووسائل التواصل الاجتماعي، وغرف الحوار في الإنترنت، وقنوات الطبخ على يوتيوب، والأماكن الخاصَّة بالمجموعات الصغيرة ذات الصلة بالجماعات اليمينية المتطرفة كالكنائس الإنجيلية. وبدلً من العناية بماهية التطرف اليميني العنيف، تبحث الكاتبة سينتيا ميلر- إدريس في الفضاءات المادِّية والافتراضية التي تُزرع فيها الكراهية، والأمكنة التي ينشط فيها اليمين المتطرف، وكيفية استقطابه الشبابَ وتأثيره في حياتهم اليومية. فهي تسافر بالقرَّاء إلى الأماكن والساحات الرئيسة لهذا التيار، وتكشف عن الإستراتيجيات المبتكرة التي يمكن استخدامها لمكافحة التطرف الأصولي في هذا المجال.
أساس العقيدة الإقصائية
تقول الكاتبة أنه من المعلوم أن اليمين المتطرف معارضٌ دومًا لسياسات الحكومات السائدة، ولكن في السنوات الأخيرة حدث تحوُّل تكتيكي نحو محاولة تقويض الحكم من الداخل؛ إذ عملت الجماعاتُ اليمينية المتطرفة على تعزيز صفوفها وتطوير قدراتها الثقافية والفكرية والمالية في مجموعات مختلفة قادرة على الاستفادة منها واستثمار الأوضاع الحالية لصالحها. ففي الولايات المتحدة الأمريكية على سبيل المثال: شجَّعت هذه الجماعات أعضاءها على الترشُّح باسم الجمهوريين، وعملت على إدخال أفكار اليمين المتطرف العنصرية إلى التيار الرئيس للتوجُّهات السياسية في أوروبا، متبعةً نهجًا مختلفًا، وقد فازت بمقاعدَ برلمانية في كلِّ الدول الأوروبية تقريبًا. وأصبحت هذه الجماعات أبعدَ أثرًا في جميع أنحاء العالم، وصار من الصعب التمييز بينها وبين الأحزاب اليمينية التقليدية المحافظة.
وسواء أكانت متجذِّرة في نزع الصفة الإنسانية أو في فكرة الاستحقاق المظلوم، فإن تبنيِّ فكرة تفوُّق البِيض وتميزهم في الولايات المتحدة، يعُدُّ أساس العقيدة الإقصائية، والمفتاح الخاصَّ لفهم المنظومة الإيمانية لليمين المتطرف الأمريكي. وتستند عقائد اليمين المتطرف إلى هرَمية إقصائية طبقية واضحة للتفوق؛ وَفقًا للعِرق والاثنية والجنسية والدِّين والجنس.
ويشمل هذا مجموعة من المعتقدات العنصرية المناهضة للمهاجرين والمسلمين، والمعادية للسامية، والمتحيزة للعِرق الأبيض. وذلك لتسويغ المعاملة الوحشية التي يمكن لليمينيين أن يمارسوها تجاه غيرهم، مع الاهتمام باللغة والمعتقدات التي تضع مجموعات كاملة من الناس في مرتبةٍ دون البشر. وقد تسُهم هذه العقائد في جعل العنف مشروعًا؛ لأنها تنزع الإنسانية عن المخالف والأقليِّات بزرع أفكار عنصرية
كتفوُّق البِيض، والتفوق المسيحي، فضلً عن الكراهية لأفراد من مجموعات يعدُّونها أدنى منهم في الوضع الاجتماعي، يشتغل أفرادها في وظائفَ يعتقد العنصري اليميني أنها ينبغي أن تكون من نصيبه وحدَه.
خطر أقصى اليمين
تؤكد الباحثة في هذا الفصل إن مصطلح «أقصى اليمين » هو المصطلح المناسب والأكثر واقعية للإشارة إلى الطيف الواسع من العقائد والأفكار والجماعات الإقصائية اليمينية. ويُوظَّف المصطلح للإشارة إلى الأفراد والجماعات الذين يؤمنون باستخدام العنف، ولو أدَّى إلى كوارثَ؛ كما حدث في شارلوتسفيل Charlottesville أو كرايستشيرش ChristChurch وبات التطرف العنصري اليميني حاليًّا أكثرَ أنواع التطرف فتكًا في الولايات المتحدة؛ فالغالبية العظمى ) 81 %( من المتطرفين ينتمون لهذا التيار. وتشير التقارير إلى أن هناك من 75 ألف متطرف إلى مئة ألف متطرف ينتمون إلى الجماعات اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة، ولا يشمل هذا الأفرادَ الذين يشاركون أحيانًا في المشاهد اليمينية المتطرفة، أو الداعمين فكريًّا من غير النشِيطين. وتقدِّر أجهزة المخابرات الألمانية على سبيل المثال، أنه في عام 2018 م كان في ألمانيا 24100 متطرف يميني، أكثر من نصفهم ليسوا أعضاءً في جماعات أو منظمات رسمية؛ منهم 12700 متطرف يُصنَّفون على أنهم متطرفون عنيفون.
التطرف والتجنيد
في تحليل الكاتبة لتجنيد المتطرفين، كثيرًا ما تذكر «الشباب» و «ثقافة الشباب»، مع أن التطرف ليس مقتصرًا على الشباب، ولكنهم في الواقع أسرع تأثُّرًا بالمتطرفين وانخراطًا في تياراتهم، وينساق كثير منهم بسهولة إلى مؤامرات المتطرفين العنيفة، إضافة إلى اشتراكهم في جرائم القتل والاعتداءات وجرائم الكراهية وغير ذلك مما له صلةٌ بعنف الشباب؛ مثل التنمُّر.
ومن هنا كان الشباب أكثرَ عُرضةً للتجنيد في التطرف؛ إذ تُعَدُّ المراهقة والبلوغ المبكر مرحلتين أساسيتين في تكوين الهُويَّة والنُّضْج، حين يصبح الشباب أكثرَ استقلالً، ويلتقون أشخاصًا وأصدقاءَ جدُدًا، ويبدؤون بخوض تجارِبَ ثقافية واجتماعية معقَّدة. وكذلك فإن مرحلة المراهقة والبلوغ المبكر هي المرحلة التي تتطور فيها المواقف السياسية وتتوطد على نحو يميل إلى الاستمرار على مدار الحياة، ومن المحتمل أن يكون التعامل مع الأفكار المتطرفة أكثرَ أهمية في هذه المرحلة.
هذه العوامل تجعل الشباب أكثرَ عرضةً لتبنِّي العقائد المتطرفة، في أثناء رحلتهم للبحث عن الذات، وعن هُويَّات جديدة، وفهم فلسفات الحياة. فهذه الاحتياجات قد تكون مفتاحًا للتطرف الأصولي لدى الشباب؛ كالرغبة في التمرد على السلطة، والحاجة إلى الانتماء إلى مجتمع قوي متماسك؛ للانعتاق من الشعور المهيمن بالظلم والإقصاء والرفض.
ولاستقطاب الشباب يعتمد اليمين المتطرف أيضًا على أساليبَ مبتكرة؛ كالفُكاهة والذكاء والرموز التي تنقل رسائلَ إقصائية ومجرَّدة من الإنسانية. وسعى اليمين إلى التحوُّل من الإشارات الجمالية التي تنقل المشاعرَ والانفعالات كالغضب، إلى تلك التي تستخدم الفُكاهة والدعابة، ليكون ذلك جزءًا من تعميم الأسلوب المتطرف. على سبيل المثال: فضلً عن الوشوم أو الملصقات من صُلبان معقوفة أو عبارات عنصرية، يتعرض شباب اليمين المتطرف اليوم لرسائلَ خفية، تتضمن مشاعرَ عنصرية أو معادية للمهاجرين، في أيقونات ملوَّنة زاهية تستخدم غالبًا رموزًا تاريخية ذكية. ويرجع جزءٌ من هذا التحول في أساليب الاتصال إلى الاستخدام الواسع للفكاهة والنِّكات والمفارقات في ثقافة الإنترنت، ولا سيَّما بإنشاء صور ذات معنًى وتداولها بكثرة.
تسويق اليمين المتطرف
يستعمل اليمين المتطرف طرقًا وأساليبَ مختلفة لتغذية أفكاره ونشرها، سواء أكان النشر مباشرًا أو غير مباشر. وهنا يمكن الإشارة الى «توظيف الطعام » الذي يُعَدُّ أمرًا أساسيًّا له، ولعموم الجماعات المتطرفة. لذا تهتم هذه الجماعات بتقنيات زراعة الطعام، واصطياد الحيَوانات، وطرق الانتقال من العيش في الدولة المنظَّمة إلى العيش خارج نطاق الدولة والمجتمع.
ويمكن الحديث أيضًا عن «ألبسة الكراهية» التي أصبحت شائعة بكثرة، وجزءًا لا يتجزأ من صورة اليمين المتطرف، وقد تطورت هذه الأزياء بسرعة في السنين الأخيرة، وباتت تُعنى بالنواحي الجمالية، وباعتماد علامات تجارية مشهورة؛ للتسويق لأقصى اليمين، مع رسائلَ ورموز مضمَّنة في الملابس. وتُؤكِّد الكاتبة أن القمصان مثلً اتُّخذت أداةً مثالية لنشر الرسائل العنصرية والقومية. وتعتمد هذه الملابسُ والعلاماتُ التجارية اليمينية الباهظة في الثمن، على النمط السائد من الملابس، ولكن مع استخدام رموز مشفَّرة تشير تصريحًا أو تلميحًا إلى وجهات النظر اليمينية المتطرفة، أو إلى المثُل العليا الأسطورية التي يتبنَّاها. وإذا كان الشباب هم الهدفَ الأساسي لهذه الجماعات، فإن بعض العلامات التجارية استهدفت ملابس النساء والأطفال أيضًا.
خاتمة
ختمت الكاتبة ميلر-إدريس دراستها باقتراح بعض الحلول التي يمكن أن تقللِّ من خطر اليمين المتطرف، وهي ترى أن الأعمال الوقائية قد تكون حاسمة للحدِّ من عنف المتطرفين البِيض واليمين المتطرف على المدى الطويل. وهناك خطوات فورية أيضًا يمكن للجهات الفاعلة المحليِّة والفيدرالية والعالمية اتخاذها لوقف تصاعد العنف المتطرف من اليمين. ويمكن أن تبدأ المشاركة المحليِّة مع مجموعات إنفاذ القانون، بإشراك المعلمِّين، وأولياء الأمور، والمختصِّين الاجتماعيين، وخبراء الصحة العقلية، بالتعليم؛ لتحسين المعرفة المتصلة بجماعات اليمين المتطرف. ويمكن أيضًا نشر الوعي بأنواع العلامات والرموز وقنوات التواصل الاجتماعي ومنصَّاته المستخدمة للتواصل بين المتطرفين، ولتجنيد عناصر جديدة. ونحتاج أخيرًا إلى قنوات للتعاون، وطرق للخبراء والحكومة الفيدرالية للعمل مع المحافظين، ورؤساء البلديات، ومسؤولي إنفاذ القانون المحليِّ.

شارك