فهم الإرهاب المعاصر وخباياه (1- 2)

الأحد 28/مارس/2021 - 12:30 م
طباعة حسام الحداد
 
تقدم "دوناتيلا دي سيزار" أستاذةُ الفلسفة النظرية في جامعة "لا سابينزا" بإيطاليا، في كتابها "الإرهاب والحداثة" سرد مفصَّل للهجَمات الإرهابية التي ضربت مسرح باتاكلان بباريس في نوفمبر 2015 م، وأدَّت إلى مقتل 130 شخصًا وإصابة المئات. ومن هناك تسافر بنا بطريقة سلسة لتحلِّلَ الكثير من جوانب الإرهاب الجديد وما يتصل به، وهذا لا يعني طبعًا أن مفهوم الإرهاب أو أنواعه ظاهرةٌ جديدة. وتأخذنا المؤلِّفة إلى أيام فصيل الجيش الأحمر في ألمانيا، والكتائب الحمراء في إيطاليا في أواخر السبعينيات الميلادية؛ بل تمضي بنا إلى زمن أبعدَ، إلى القرن الثامن عشر عندما ظهرت كلمة "الإرهاب" أول مرة.
وقد افتتحت المؤلفةُ كتابها بالسؤال عن ظاهرة الإرهاب المؤلمة التي يذهب ضحيَّتها في الغالب أبرياءُ لا دخلَ لهم في الصراعات السياسية أو الفكرية بين الدول والجماعات. وتحلِّل قضيةَ قتل المدنيين في الهجَمات الإرهابية، التي غالبًا ما تستخدم كلمة (الإرهاب) للإشارة إليها، وينفِّذها على الأرجح أشخاصٌ يعيشون في
أحياء الغرب الفقيرة في فرنسا وبلجيكا وغيرها، ويشعر هؤلاء بأنهم مهمَلون ومشتَّتون، فيلجؤون إلى الانتقام بقتل الآخرين، وفي الوقت نفسه يواجهون موتهم المؤكَّد.
الإرهاب والحداثة
تذكر الكاتبةُ موضوعًا مهمًّا يتعلَّق بنيَّات الإرهابيين وأهدافهم واهتماماتهم، تقول: إذا استفسرنا عن هذه القضية الإشكالية فإن الانتباه يتحوَّل إلى قضايا غربية محضة تتعلَّق بوَرَثة الثورة الفرنسية والأنوار وأصحاب الحداثة، لا بالإرهابيين الجدُد، سواء المسلمون منهم أو غيرُ المسلمين. لهذا ترى المؤلفةُ أن الحداثةَ هي تطوُّرٌ تاريخي للاختراع والإبداع الإنساني، من الأداة البُدائية والسلاح إلى الطبِّ الدقيق والقنبلة النووية والعولمة ثم الإرهاب. وقد أدَّت أنواع التنقُّل والسفر التقليدي في الماضي، والإنترنت في الحاضر إلى بقاء أماكنَ قليلة جدًّا على الأرض لم تتأثَّر بالحداثة، فهذا الزمنُ هو زمن العولمة. وإذا كان الإرهابُ من نسل الحداثة، فإن الحداثة هي الابنُ الشرعي للتنوير الأوروبي. ثم تطرح الكاتبة سؤالً: هل الإرهاب جزءٌ لا يتجزَّأ من الحداثة الغربية، أم هناك عواملُ أخرى توجهه وتتحكَّم فيه؟ وللإجابة عن هذا السؤال تتناول في الكتاب محورين رئيسَين عن قضيَّتي الإرهاب والحداثة، هما:
1- الدولة الحديثة، والحداثة والإرهاب
يتناول هذا المحورُ الدولةَ الحديثة وسيادتها، والإيمان بأنها الوحيدةُ التي لها الحقُّ في احتكار العنف واستخدامه. وعلى الرغم من اعتراض كثيرين، يصبح عنفُ الدولة شيئًا مشروعًا وقانونيًّا في هذه الحالة. فدول الحقِّ والقانون التي نعيش فيها اليوم لم تولد فجأةً بعد الانقلاب على أنظمة الملوك والأباطرة في القرون الوسطى، وإنما استحوذت بعد ذلك تدريجيًّا على صلاحياتهم، وأصبحت الممارسَ القانوني للعنف باسم الشرعية والأمن. ثم بدأت الدولة تفرضُ نفسها على رعاياها باستعمال سُلطة التهديد؛ لأنها ملكت سُلطةَ التهديد والتنفيذ، وهي أشياءُ لا يمكن تصوُّرها دون دولة ذات سيادة. 
فهمَ لينين جيدًا أنه بعيدًا عن انتقاد سيادة دولة ما يمكن انتقادُ المسيطرين على هذه السيادة حين يستخدمونها في استغلال طبقة العمَّال ومحاربتهم، باللجوء إلى ثورة البروليتاريا العاملة. لهذا نقول كما قالت الكاتبة: إن لينين أدرك عُمقَ مسألة السيادة وعَلاقتها باحتكار الإكراه والعنف تجاه المجتمع أو في خدمته. وتضيف المؤلفة مسألةً مهمَّة وهي أن ديكتاتورية البروليتاريا التي نهجها التيَّار الماركسي اللينيني تجاه البرجوازية تُعَدُّ أيضًا من أنواع الإرهاب المشروع من هذا المنطلق.
ولفهم كيف حاولت بعضُ التيارات تغييرَ الواقع ونزعَ السيادة عن الدولة الحديثة، تشير الكاتبةُ إلى الكيفية التي أراد «اللاسُلطويون» anarchists القُدامى اعتمادها للتخلُّص من الدولة ومؤسَّساتها، في حين يسعى اللاسلطويون إلى إلغاء بيروقراطية الدولة نحو التنظيم الذاتي للمجتمع. وترى الكاتبةُ أن إرهابيِّي اليوم يسعَون إلى سرقة هذه السيادة واحتكارها، أو بالأحرى حيازة سُلطة التهديد. وفي هذا السياق تقول: هدفُ الإرهابيين أن يكونوا المصدرَ الوحيد والأساسيَّ للخوف والسيادة المطلقة على مصير المواطنين. ولهذا تربط بين الدولة الحديثة وحروب الغزو، وساحات المعارك، والدمار وأشلاء الموتى. هذه الحقيقة تُشعر المخالفَ بالهلع والفراغ، وترى أن ما يفعله الإرهابيون هو تمامًا ما تفعله الدول، مع فارق «الشرعية والسِّيادة » اللتين تدَّعيهما الدولة وتستند إليهما حين دخولها في أيِّ
مشروع للعنف والتخريب. أما ما يخصُّ عنفَ الدولة وبطشها، فتسأل الكاتبة: هل من وسيلة تمكِّن الغربيين الحداثيين من حماية أنفسهم من العنف والبطش السِّيادي
للدولة؟ هناك كِبْرٌ واضح في الطريقة التي يعالج بها المثقفون، حتى اليساريون منهم، قضيَّتَي الإرهاب والحروب الدينية الحالية في الشرق الأوسط، لكن دون أن يُدركوا أنهم باستعلائهم على الآخرين سقطوا في تقديس الدولة، وأصبحوا كهَنةً حديثين للدولة المدنية. وهم بهذا يغَذُّون فكرَ الاحتقار تجاه الأصولية الدينية، لإيمانهم أن الخلاصَ منها لا يكون إلا باللَّحاق بركب المنظومة الاشتراكية التي يؤمنون بها ويتبنَّونها.
وهنا ننبِّه أن الكاتبة تخالفُ ما يعتقده كثيرٌ من الباحثين؛ فهي ترى أن الدولةَ الغربية الحديثة ليست مجرَّدَ تعايش سِلمي بين الدولة والمواطنين من جهة، وبين المواطنين أنفسِهم من جهة أخرى؛ بل إن سياسات الدولة وردودَها على الأعمال الإرهابية تظُهر أنها حريصةٌ على تأهيل كلِّ شيء، وتعريفه وتسميته واحتكاره، وهذه السيادة الحديثة هي أيضًا نوع من الإرهاب الدائم، لكنه إرهاب مشروع وقانوني.
وتضيف الكاتبة: إن الدول الغربية تتجه تدريجيًّا نحو أنظمة أمنية، فقد أصبح طبيعيًّا انتشارُ الجيش والشرطة بأسلحتهم الثقيلة، التي لا تُستخدَم إلا في الحروب، في ساحاتها ومرافقها العمومية. لهذا، فإن الإرهابَ يبقى محورًا من محاور الدولة الديمقراطية الحديثة التي لا تكتفي بالرمزية؛ بل تبثُّ الإرهابَ بين مواطنيها وتديره بحُنكة وذكاء. وتقرُّ الكاتبة أن الشرطة ومؤسَّسات الردع ملحق أصلي ومهمٌّ لسيادة الدولة. وتؤكِّد أنه لفهم عُمق هذه السيادة وقوتها، ولتجاوز الضجيج الإعلامي بشأن الإرهاب، يجب النظرُ إلى الأمور نظرةً ثاقبة، كنظرة الفيلسوف الذي يلاحظ ويحلِّل الرعبَ المخصَّصَ للدولة وفي الدولة، والمحرَّم على غيرها من الأفراد والجماعات.
2- إرهاب الجماعات والأفراد
تؤكِّد الكاتبةُ في هذا المحور أن الإرهابيين يهتمُّون بالحداثة لكن وَفقَ رؤيتهم وفهمهم. وقد بدأت تفقدُ الدول في أيامنا حقَّ «احتكار العنف المشروع»؛ إذ أصبح الأفرادُ والجماعات قادرين على القيام بعمليات عنف لنشر الخوف والفوضى بين المواطنين. وهذا النوعُ من الإرهاب يدفعنا للتفكير في الظروف والسياسات التي سهَّلت أو سرَّعت حدوثه؛ مثل العولمة والتقنية، والمجتمعات الاستهلاكية، والرفاهية الحديثة. ويحثُّنا أيضًا على تحليل عواقبها على المجتمع الذي يرى فيه الإرهابيُّ أن كلَّ شيء مُباحٌ ومسموح. ولكي تكونَ الدولة شرعيةً يجب أن تزرعَ الخوف سرًّا وتنشرَه بين المواطنين؛ باستعمال إعلامها ومؤسساتها. فالإرهابُ والديمقراطية هما ثمرتا الحداثة، والديمقراطية الكاملةُ تعني الاستغناءَ عن الإرهاب وعدم الحاجة إليه لتسيير الدولة وتنظيم شؤون المواطنين.
ويتَّبع الإرهابيون النهجَ نفسه للتأثير في سَير الأحداث في العالم، وهذا التأثيرُ قد يكون فاعلً؛ لأن الإرهاب قادر أحيانًا على الهيمنة لمحاولته تغيير المستقبل والتحكُّم فيه. ويكمن مستقبلُ الإرهاب في الخوف من المستقبل؛ إذ يهيمنُ بالذعر والتخويف من المستقبل المجهول الذي قد يكون أكثر رعبًا ومأساوية. يتحدَّى الإرهابي قناعاتنا تجاه المجتمعات الغربية الآمنة التي يعيش أفرادُها في راحة واطمئنان. وتصرُّ الكاتبة على أن الإرهابي يطمح إلى قتل الشهَوات والإغراءات والنزَعات الغربية بداخله قبل التفكير في قتل نفسه وقتل الغربيين أنفسهم. معاداةُ الإرهابي للحداثة وللغرب يمكن أن تتخذَ أشكالً مختلفة تراوح بين الجرائم التقليدية وتناول المخدِّرات أو الاتِّار بالممنوعات والإرهاب الحديث. وهذا النوعُ من الرفض ما هو إلا إعادةُ إنتاج تقديس العنف والغضب التقليديين اللذَين نجدهما في الدِّين، وهو غضبٌ مقدَّس يستدعي التضحيةَ والفداء غيرَ المشروطين من أجل قضية نبيلة سامية، يكون
الإرهابيُّ بطلَها ومادَّتها الخام. والسؤال الذي يجب طرحه هو: هل هذا النقدُ للحداثة خالٍ من أيِّ حقٍّ؟ هل هو إعادةُ إنتاج نقد الفلاسفة للحداثة وللتغيير عمومًا، لكن بأسلوب عنيف؟ وتدفعنا مواجهةُ هذه الأسئلة إلى النظر إلى أنفسنا وواقعنا؛ فنحن متلقُّون للنزعة العنيفة في العالم. وترى الكاتبة أننا نعيش حِقبةً أكثر عنفًا ودموية من الحربين العالميتين، ومن الصراع السابق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فالعالمُ في مرحلةٍ حرجة من اللامساواة بين الطبقات والدول، والعولمة العنيفة
والمسلَّحة. وتحيط بنا صراعاتٌ كثيرة بين الدول والجماعات، وإن رفاهيةَ الغرب مبنيَّة على تعاسة العالم الثالث وفقره ولو جزئيًّا، وهذا يؤدِّي إلى حداثة غير مكتملة أو مزوَّرة.
وتوجِّه الكاتبةُ انتقادًا آخرَ لمفكِّري الغرب فتقول: أحدُ الأخطاء التي يقع فيها الكثيرُ من المثقَّفين، هو الاعتقادُ بأن الجميع يطمح إلى الحداثة الغربية، متجاهلين أن الإرهاب المسلَّح يسعى لتدنيسها، والتقليل من أثرها المزعوم من أنها محورٌ للتقدُّم والرقي. وهذا الموقفُ العابر للحدود والناكر لقيم الغرب هو حقيقةٌ جديدة عوَّضت
الشيوعيةَ في تحدِّيها للغرب على أنها مشروع بديل.
وتعرضُ المؤلفة الفيلسوفة مواقفَ بعض الفلاسفة المرموقين، وتُدخلنا في حوار مع المنتقِدين التقليديين للحداثة؛ مثل نيتشه، وهايدجر، اللذَين استنكرا طابعَ الحداثة التلقائيَّ لتدمير كلِّ ما هو مخالف. وتباين موقفَ هابرماس وغيره ممن عَدُّوا الحداثةَ مشروعًا جديرًا بالاتباع على الرغم من قصور بعض جوانبها. ثم تقف مع فلسفة ليفيناس الذي ينتقد المفهومَ الحديث للذَّات الإنسانية، الذي يرى أن الإنسانَ هو صاحب السيادة المطلقة المُعفى من كلِّ مسؤولية تجاه محيطه. ويرى ليفيناس أن الحريةَ دون المسؤولية هي حرية مدمِّرة فوضوية بلا مبادئ.
وتستغلُّ الكاتبة الفرصةَ للدعوة إلى الفلسفة، لكن بطريقة غريبة على ما يبدو، إذ تصرُّ على أن الكثير من الأحداث التي توصَف بأنها فلسفية محضة، لها معاني الطبيعة الأصولية (الراديكالية).
وعلى حين تدَّعي الكاتبةُ أن الحروب في الماضي كانت بين الجيوش فقط، دون تدخُّل للمدنيين أو إقحامهم فيها، يشهد التاريخُ أن الجيوش لم تكن حين دخولها المدن والدول تفرِّق بين المدني والجندي، ولا بين الكبير والصغير، ولنا في المغول خيرُ مثال وأصدق شاهد.

شارك